د.نادي شلقامي
“شمسٌ مصرية تُضيءُ سماء العلم”
بين رمال الصحراء الجدباء وأضواء النجوم البعيدة، حكاية بطلها رجلٌ لم يكتفِ بأن يكون شاهداً على التاريخ، بل كان صانعاً له. هو “الفرعون” الذي علّم الأمريكان كيف يمشون على القمر، و”الحكيم” الذي عاد إلى أرضه ليقرأ ما تُخفيه الرمال من أسرار. فاروق الباز ليس مجرد عالم جيولوجيا، بل هو رمزٌ للإرادة المصرية التي لا تعرف المستحيل، والرجل الذي طوّع تكنولوجيا الفضاء لخدمة البشرية، حاملاً في قلبه حب الوطن وفي عقله عبقرية الأجداد.
أولا….الميلاد والنشأة: من قلب الدلتا
وُلد فاروق الباز في 2 يناير 1938 بمدينة الزقازيق بمحافظة الشرقية، لأسرة مصرية أصيلة غرس فيها والده، الشيخ سيد الباز (أحد علماء الأزهر الشريف)، حب العلم والرياضيات. نشأ في بيئة تقدس المعرفة، فتفوق في دراسته حتى حصل على بكالوريوس الكيمياء والجيولوجيا من جامعة عين شمس عام 1958، ليبدأ رحلته من ضفاف النيل إلى كبرى الجامعات الأمريكية (ميزوري ومعهد ماساتشوستس)، متسلحاً بالعلم الذي سيغير وجه التاريخ لاحقاً.
ثانيا…..الرحلة الأكاديمية.. بناء الأساس الصلب
لم يتوقف طموح العالم فاروق الباز عند حدود النيل، بل انطلق ليحصد الماجستير والدكتوراه من الولايات المتحدة، متسلحاً برؤية ثاقبة في “الجيولوجيا الاقتصادية”. هذه الخلفية الأكاديمية المتينة مكنته من العمل في مختلف بقاع العالم، من ألمانيا إلى شركات النفط في خليج السويس، قبل أن ينادي عليه “القمر”.
ثالثا…الباز وناسا.. حين وجّه العربُ مسار “أبولو”
تعتبر الفترة ما بين 1967 و1972 هي العصر الذهبي لإنجازات الباز الدولية، حيث تولى مهاماً جسيمة منها:
1- تحديد مواقع الهبوط: كان سكرتير لجنة اختيار مواقع هبوط بعثات “أبولو” على القمر، حيث اختار 16 موقعاً بدقة متناهية لضمان أقصى استفادة علمية.
2- تدريب الرواد: أشرف على تدريب رواد الفضاء (مثل نيل أرمسترونج وألفريد وردن) على كيفية رصد التضاريس القمرية وجمع العينات الصخرية.
3- سورة الفاتحة في الفضاء: في لفتة إنسانية وإيمانية عميقة، اقترح الباز على رواد “أبولو 15” حمل ورقة مكتوب عليها سورة الفاتحة طلباً للحفظ والتوفيق، وهي اللمسة التي لا يزال يذكرها التاريخ كرمز لامتزاج العلم بالإيمان.
رابعا….العودة إلى الأرض..
“كشف أسرار الصحراء والمياه”
ماذا أضاف لمصر؟ (أثرٌ لا يمحوه الزمن)
لم يكن نجاح فاروق الباز في “ناسا” سبباً في نسيان وطنه، بل سخر كل خبراته العالمية لخدمة مصر عبر إضافات تاريخية، أهمها:
1- مشروع ممر التعمير: قدم رؤية استراتيجية متكاملة لإنشاء ممر موازٍ لوادي النيل في الصحراء الغربية، يهدف إلى فتح آفاق جديدة للزراعة، الصناعة، والإسكان، للخروج من ضيق الوادي إلى رحابة الصحراء.
2- اكتشاف المياه الجوفية: بفضل خبرته في الاستشعار عن بُعد، ساعد في تحديد مواقع خزانات مياه جوفية ضخمة تحت رمال الصحراء الغربية، مما وفّر فرصاً ذهبية لاستصلاح الأراضي وتوفير الأمن المائي.
3- حقل المرجان: ساهم في بداياته العملية في اكتشاف أول حقل نفط بحري في خليج السويس، مما دعم الاقتصاد المصري بشكل كبير.
4- المستشار العلمي للدولة: عمل مستشاراً علمياً للرئيس الراحل أنور السادات، وساهم في وضع خطط التنمية القائمة على أسس جيولوجية وبيئية سليمة.
5- حماية الآثار: استخدم تكنولوجيا الفضاء في الكشف عن بعض الآثار المصرية المدفونة والمساهمة في سبل الحفاظ عليها من عوامل التعرية.
خامسا…جوائز وتكريمات خلدت اسمه
لم يكتفِ العالم بتقدير الباز بالجوائز التقليدية، بل وصل التكريم إلى آفاق غير مسبوقة:
1- كويكب الباز: أطلق الاتحاد الفلكي الدولي اسم “الباز” على كويكب (7371) تقديراً لإسهاماته.
2- ستار تريك: تكريماً له، سُمي مكوك فضائي في مسلسل الخيال العلمي الشهير باسم “الباز”.
3- جائزة فاروق الباز لأبحاث الصحراء: جائزة عالمية سنوية أسستها الجمعية الجيولوجية الأمريكية باسمه.
وختاما…فإن قصة فاروق الباز هي رسالة ملهمة لكل شاب عربي؛ مفادها أن العلم هو المفتاح الوحيد لامتلاك المستقبل. من “الفتى الفلاح” إلى “مستشار الرؤساء” وعالم الفضاء الذي وضع بصمته على القمر، أثبت الباز أن العقل المبدع لا يعترف بالحدود الجغرافية. سيظل فاروق الباز منارةً تضيء لنا الطريق، ليس فقط لنستكشف ما فوقنا من نجوم، بل لنعمر ما تحت أقدامنا من أرض.
إن قيمة فاروق الباز لا تُقاس فقط بالمناصب التي شغلها أو الجوائز التي حصدها، بل بكونه “الجسر” الذي ربط بين عظمة الحضارة المصرية القديمة وطموحات المستقبل التكنولوجي. هو العالم الذي أثبت أن الصحراء ليست عائقاً بل هي كنزٌ ينتظر من يفك شفرته، وأن الشاب المصري إذا ما أُتيحت له الفرصة، فإنه قادر على قيادة العالم نحو النجوم. سيظل فاروق الباز علامة فارقة في تاريخ مصر الحديث، وملهماً للأجيال القادمة بأن أحلامنا مهما عظُمت، تبدأ بخطوة واثقة فوق أرض صلبة من العلم واليقين.
