بقلم د. نادي شلقامي
غياب الأسطورة
لم تكن مجرد معمرة تجاوزت المئة بعقد تقريباً، بل كانت “خزانة أسرار سيناء” الحية، وبوصلة الفدائيين في دروبها الوعرة. برحيل الحاجة فرحانة حسين سالم سلامة — المعروفة بـ”شيخة مجاهدي شمال سيناء”، “أم المجاهدين”، و”أم داود” — تنطوي صفحة نادرة في تاريخ المقاومة الشعبية المصرية. هي المرأة التي لم تدرس في أكاديميات عسكرية، بل رسمت استراتيجياتها بقدميها الحافيتين فوق رمال سيناء المحتلة بعد نكسة يونيو 1967، لتتحول من تاجرة أقمشة بسيطة إلى “كابوس استخباراتي” أربك حسابات الاحتلال الإسرائيلي خلف خطوطه.
أولاً…من غرز الإبرة إلى رصد الثكنات
1- التمويه العبقري: “الست فرحانة” والغطاء التجاري
–استغلت مهنتها في بيع الأقمشة والمنتجات السيناوية للتنقل بحرية بين العريش والقاهرة والدلتا، عابرةً القناة ذهاباً وإياباً.
–كانت تخفي الخرائط والتفاصيل العسكرية — مواقع الثكنات، المطارات، تحركات الآليات والدوريات — داخل جلبابها البدوي أو بين لفائف القماش، بذكاء فطري تفوق أجهزة الرصد والتفتيش في كثير من الأحيان.
2- البدايات البطولية
— انضمت مبكراً إلى صفوف المقاومة الشعبية، وشاركت في عمليات مباشرة مثل تفجير خطوط السكك الحديدية بالشيخ زويد، وتفجير سيارات جيب إسرائيلية، قبل أن تتخصص في الاستخبارات والإمداد.
ثانياً… دورها في “المقاومة الشعبية” ودعم حرب أكتوبر
— انضمت إلى شبكات المخابرات الحربية المصرية، وساهمت بشكل فعال في الإعداد لحرب أكتوبر المجيدة 1973. شملت مهامها:
1- نقل المعلومات الدقيقة عن تحركات الطيران والقوات الإسرائيلية، خاصة حول مطار العريش ومواقع أخرى استراتيجية.
2- تهريب الذخائر، الصواعق، الألغام، والمتفجرات إلى المجاهدين في عمق سيناء.
3- تجنيد وتنسيق العناصر من القبائل السيناوية، مستفيدة من ثقة أهلها في رجاحة عقلها وإخلاصها.
4- نقل الرسائل والتقارير بين القيادة في القاهرة والفدائيين في الداخل، رغم المخاطر الجسيمة.
رغم أميتها، تغلبت عليها بالرسم على الرمال لتوضيح المواقع، مما يبرز عبقريتها الفطرية.
ثالثاً…. التكريم والوفاء الوطني
–عاشت عقوداً طويلة في صمت وتواضع الزاهدين، محافظة على سريتها حتى بعد تحرير سيناء. منحها الرئيس الراحل محمد أنور السادات وسام الشجاعة من الدرجة الأولى ونوط الجمهورية تقديراً لبطولاتها. — وفي السنوات الأخيرة، وجه الرئيس عبد الفتاح السيسي — خلال احتفالية ذكرى انتصارات أكتوبر — بإطلاق اسمها على أحد الأحياء في شمال سيناء، ومحور مروري أو مشروع تنموي في القاهرة، تأكيداً على أن الدولة لا تنسى أبطالها الصامتين.
إرث يتجاوز الرحيل
توفيت الحاجة فرحانة اليوم الأحد 15 فبراير 2026، عن عمر يناهز حوالي 106 أعوام (بعد صراع مع المرض)، في منزلها بحي ضاحية السلام بالعريش، وستُدفن في مقابر أبو زرعي بالشيخ زويد — مسقط رأسها — من قبيلة الرياشات، وتركت وراءها 3 أبناء و11 حفيداً.
رحيلها ليس مجرد خبر وفاة معمرة، بل تذكير حي بجدوى المقاومة الشعبية، وصلابة الروح المصرية التي لا تهرم. رحلت جسداً، لكنها تركت مدرسة في “الولاء الصامت” والإخلاص الوطني؛ مدرسة تعلم الأجيال أن حماية التراب لا تحتاج رتباً عسكرية بقدر ما تحتاج قلباً مؤمناً وقدماً تعرف درب الحق وسط رمال الصحراء.
سلامٌ على “مجاهدة القرن”، وسلامٌ على سيناء التي أنبتت مثل هذا الصمود.
رحمها الله وأسكنها فسيح جناته مع الشهداء والصالحين، وجعل ما قدمته في ميزان حسناتها.
