(هبة عبد الرحمن سليم عامر)
دولت فاروق
هبة عبد الرحمن سليم، فتاة مصرية وُلدت عام 1947 لأسرة ثرية من أغنياء حي المهندسين، وكان والدها يشغل منصب وكيل وزارة التربية والتعليم آنذاك.
بعدما أنهت دراستها في الثانوية العامة، اقترحت على والدها أن تسافر إلى فرنسا لتكمل تعليمها، لكنه رفض في البداية، وبعد إلحاح وإصرار شديدين وافق في النهاية.
وبمجرد وصولها إلى فرنسا، تعرّفت هبة على فتاة يهودية من أصل بولندي تُدعى ريتا، وكانتا تذهبان معًا إلى الحفلات والمناسبات. وفي إحدى المرات قدّمت ريتا أحد أصدقائها لهبة على أنه صحفي، بينما كان في الحقيقة ضابطًا في الموساد الإسرائيلي.
بدأت هبة تتحدث معه عن حياتها في مصر، وأخبرته أن هناك ضابطًا في الجيش المصري برتبة مقدم يُدعى فاروق الفقي، يحبها كثيرًا، ويشغل منصب رئيس الفرع الهندسي لقوات الصاعقة المصرية.
استقبل الضابط الإسرائيلي حديثها بفرحة كبيرة، ثم أقنعها بالعودة إلى مصر والتقرّب من فاروق للحصول على معلومات حساسة منه، حتى لو اضطرها الأمر إلى الزواج منه.
وبالفعل عادت هبة إلى القاهرة، وتقربت من الضابط المصري الذي وثق بها إلى درجة أنه صار يحكي لها تفاصيل عمله العسكري، بل أطلعها على خرائط سرية لإثبات مكانته ودوره في الجيش. كما كشف لها موقع قاعدة الصواريخ التي كانت مصر قد حصلت عليها من الاتحاد السوفيتي.
قامت هبة بنقل تلك المعلومات إلى الضابط الإسرائيلي، الذي أرسلها بدوره إلى رؤسائه، وحين وصلت التقارير إلى قيادة الموساد، طلبوا منها أن تُجنّد فاروق الفقي لصالحهم، وهو ما استجاب له بالفعل بسهولة.
أرسل فاروق موقع قاعدة صواريخ سام-6 المضادة للطائرات، فشنّ الطيران الإسرائيلي هجومًا أدى إلى تدميرها، مما أثار قلقًا كبيرًا لدى المخابرات الحربية المصرية، التي أدركت سريعًا أن هناك خائنًا داخل المنظومة العسكرية.
ولأن إسرائيل اعتبرت ذلك إنجازًا كبيرًا، قرر الموساد تكريم هبة، فدُعيت للسفر إلى تل أبيب لتكريمها في حفل رسمي. أُرسلت إليها طائرة خاصة، واستُقبلت كملكة، حتى إن جولدا مائير رئيسة وزراء إسرائيل آنذاك قابلتها شخصيًا، وأصبحت هبة الفتاة المُدللة لديها.
عادت هبة بعدها إلى باريس لتعيش حياة الرفاهية، بينما واصل فاروق إرسال المعلومات الحساسة إلى إسرائيل. وعندما استهدف الطيران الإسرائيلي مدرسة الصاعقة المصرية، تأكدت المخابرات المصرية أن الخيانة مصدرها هذا السلاح، فبدأت في مراقبة جميع أفراده بدقة.
وفي النهاية، عثرت المخابرات على خطاب أرسله فاروق إلى هبة، فتم وضعه تحت المراقبة، واكتُشف أنه يتواصل مع الموساد مباشرة. لم يصدق المحيطون به الأمر، خاصة أن قائده كان يعامله كابنه.
تم القبض على فاروق، الذي انهار واعترف بكل شيء. اتفقت معه المخابرات المصرية على أن يواصل تواصله مع الموساد، ولكن تحت إشرافها، حيث بدأ في إرسال معلومات مزيفة لخداع العدو، واستمر ذلك نحو شهرين.
لكن العقبة الكبرى كانت كيفية استقدام هبة عبد الرحمن سليم إلى مصر.
وفي تلك الفترة، كان والدها يقيم في ليبيا، فتوجه إليه رجال المخابرات، وأخبروه أن ابنته متورطة مع منظمة فلسطينية في خطف الطائرات الإسرائيلية، وأنهم يريدون إنهاء المسألة دون ضجيج. طلبوا منه أن يبعث إليها برسالة يخبرها فيها بمرضه ورغبته في رؤيتها.
وبالفعل، وصلت هبة إلى ليبيا، حيث تم القبض عليها وترحيلها إلى مصر، وهناك اعترفت بكل تفاصيل خيانتها. صدر ضدها حكم بالإعدام، ونُفذ الحكم في عام 1974.
وفي ذلك العام، زار وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر مصر، ونقل إلى الرئيس أنور السادات رغبة جولدا مائير في تخفيف الحكم عن هبة. فرد السادات بذكاء قائلاً:
“هبة اتعدمت النهارده.”
وكان مدير مكتب المخابرات يقف خلف الرئيس وفهم الرسالة فورًا، فأمر بتنفيذ الحكم على الفور.
وبعد أيام قليلة، نُفذ حكم الإعدام في هبة عبد الرحمن سليم شنقًا، كما نُفذ حكم الإعدام في فاروق الفقي رميًا بالرصاص، على يد قائده المباشر في الجيش، لتُطوى واحدة من أخطر صفحات الجاسوسية في تاريخ المخابرات المصرية.
