د.نادي شلقامي
— شمعة الأمل التي لا تنطفئ
في أزقة إمبابة الضيقة، حيث يختلط ضجيج الباعة بأنين المحتاجين، تبرز سيدة لم تحمل عصا سحرية، بل حملت قلباً اتسع لآلاف المنسيين. الحاجة عزيزة عبد العليم؛ الاسم الذي إذا ذُكر في “عزبة الصعايدة” انحنت له الرؤوس تقديراً.
لم تكن مجرد فاعلة خير، بل هي “أيقونة الصمود” الحية التي أثبتت أن الإرادة المصرية قادرة على هزيمة الفقر والمرض، محولةً جهوداً ذاتية بسيطة إلى منظومة خدمية واسعة يشار إليها بالبنان.
واليوم، لا تزال الحاجة عزيزة تغرس بيديها شجر الخير الذي يظلل آلاف الأسر، وتكتب بكيانها قصة كفاح يومية تدرس في معاني الإنسانية والعمل الأهلي الأصيل.
— محطات في ملحمة “أحباب الكريم”
أولاً… البداية من الصفر.. قوة الحلم الصغير:
— بدأت الرحلة بجهود ذاتية بسيطة، حيث أدركت الحاجة عزيزة أن الشكوى لا تبني وطناً، فقررت تأسيس جمعية “أحباب الكريم” (مشهرة برقم 3202).
— انطلقت من جهود متواضعة لتوزيع المساعدات الغذائية، وسرعان ما تحول الحلم بفضل إخلاصها إلى منظومة خدمية متكاملة تركز على إطعام الغلابة والرعاية الاجتماعية والصحية.
ثانياً…. الرعاية الصحية.. دعم الغلابة بكل السبل:
من أبرز إنجازاتها دعم الرعاية الصحية لأهل إمبابة والمناطق المجاورة، من خلال توفير الأجهزة الطبية، مساعدة المرضى، وترميم أجزاء من المستشفيات مثل مستشفى الصدر. تقدم خدمات طبية بأسعار رمزية أو مجاناً للمحتاجين، في بيئة يسودها الاحترام والكرامة تحت إشرافها المباشر، وبالتعاون مع أطباء خيريين.
ثالثاً…. بناء الإنسان قبل الحجر:
لم تكتفِ بإطعام الجائع أو علاج المريض، بل آمنت بالتمكين. تدعم الأسر من خلال زواج اليتامى، تجهيز جهاز العرائس، ترميم البيوت، وتقديم خدمات تعليمية ودعم للمدارس، محولةً العائلات من “مستهلكة للمساعدات” إلى أكثر استقلالية وكرامة في المجتمع.
رابعاً….. الإرث الحي والاستدامة:
سر نجاح الحاجة عزيزة يكمن في “المؤسسية”. لم تربط العمل بشخصها فقط، بل وضعت نظاماً صارماً يضمن استمرار الجمعية بنفس الكفاءة، مما جعل مشروعها نموذجاً يحتذى به في العمل الأهلي المصري، وجعل من اسمها ماركة مسجلة في الثقة والشفافية.
خامساً… ملحمة العطاء في زمن التحديات
— إن قصة الحاجة عزيزة عبد العليم هي تجسيد حي لمفهوم “التكافل الاجتماعي”.
— لقد استطاعت هذه السيدة العظيمة أن تكسب ثقة الجميع، من أصغر طفل في إمبابة إلى كبار المتبرعين، بفضل شفافيتها المطلقة وإخلاصها الذي لا يبتغي إلا وجه الله.
–تتابع الحاجة عزيزة كل صغيرة وكبيرة بنفسها، تدخل لتطمئن على المرضى، وتجلس مع الأرامل لتسمع مشاكلهن، ولم يمنعها تقدم العمر يوماً عن أداء رسالتها.
إنها “وزيرة غلابة” بلا منصب، وسفيرة للإنسانية تدير منظومة ضخمة بقلب أم وعقلية قائد فذ.
— شمس إمبابة التي لا تغيب…
— ختاماً، إن وجود الحاجة عزيزة عبد العليم بيننا اليوم هو الرسالة الأبلغ بأن الخير “باقٍ” ما دامت هناك قلوب تنبض بآلام الآخرين.
— هي ليست مجرد فصل في تاريخ إمبابة، بل هي “النور” الحي الذي يضيء عتمة المنسيين كل يوم.
— إن الاحتفاء بهذه السيدة العظيمة ليس بمجرد كلمات، بل في استلهام القوة من مسيرتها والحفاظ على “شعلة الأمل” التي أشعلتها في قلب “عزبة الصعايدة”. أطال الله في عمر “أم المساكين”، لتبقى روحاً تعطي دون حدود، ومنارةً للخير نسترشد بها، ولتظل دائماً “أحباب الكريم” ينمو ويزدهر ببركة إخلاصها.
