بقلم حاتم محمد
ليس كل أبٍ مصدر أمان، ولا كل أبٍ صانع سعادة، رغم أن هذا هو الدور الطبيعي الذي خُلق من أجله. فالحقيقة التي لا نحب الاعتراف بها، أن بعض الآباء موجودون بالجسد فقط، غائبون بالفعل، تاركين فراغًا نفسيًا لا يملؤه مال ولا تعويض متأخر.
المشكلة لا تكمن في الأب الذي يكدّ ويتعب من أجل لقمة العيش؛ فالتعب شرف، والعمل تضحية. المشكلة الحقيقية في الأب الذي يختبئ خلف فكرة: «أنا أوفّر فلوس وخلاص»، وكأن الأبوة فاتورة تُدفع، لا علاقة إنسانية تُبنى. فالأبوة حضور، واحتواء، ومشاركة، ومسؤولية نفسية قبل أن تكون مادية.
كم من بيتٍ يبدو مستقرًا من الخارج، بينما أطفاله يشعرون بالوحدة من الداخل؟ وكم من طفلٍ كبر وهو لا يعرف معنى الحوار مع أبيه، ولا يشعر بالأمان في حضوره؟ إن الغياب العاطفي للأب لا يترك أثرًا لحظيًا فقط، بل يصنع فجوات عميقة في شخصية الأبناء، تظهر لاحقًا في خوفهم، أو غضبهم، أو عدم ثقتهم بأنفسهم وبالعالم.
الأب الذي لا يسمع أبناءه، ولا يراهم، ولا يعرف مشكلاتهم، ولا يشاركهم تفاصيلهم، لا يحق له أن يفاجأ حين يبتعدون عنه مع الوقت. فالعلاقة لا تُفرض بالسلطة، ولا تُبنى بالخوف، بل تُصنع بالاقتراب. والاحترام الحقيقي لا يأتي من الصوت العالي، بل من الشعور بأن هذا الأب ملاذٌ لا عبء.
الأخطر من الغياب الكامل، هو الحضور المشوَّه: أبٌ قاسٍ بلا مبرر، أو متسلّط، أو دائم الانتقاد، أو يعتبر العاطفة ضعفًا. هذا النوع من الآباء لا يربّي أبناءً أقوياء، بل يربّي أبناءً خائفين، أو متمرّدين، أو عاجزين عن التعبير عن مشاعرهم بشكل صحي.
نحن لا نحتاج آباءً مثاليين، بل آباء واعين. آباء يدركون أن كلمة طيبة قد تنقذ طفلًا من انهيار، وأن حضنًا في وقت ضعف قد يصنع إنسانًا متزنًا طوال عمره. نحتاج آباء يفهمون أن الرجولة ليست قسوة، وأن السلطة ليست إلغاءً للآخر، وأن البيت لا يُدار بالأوامر، بل بالمودة والمسؤولية.
إن تقصير بعض الآباء ليس شأنًا عائليًا خاصًا فقط، بل قضية مجتمعية خطيرة. فالأب الغائب يصنع طفلًا مهزوزًا، والطفل المهزوز يصنع مجتمعًا مضطربًا. وكل مجتمع قوي يبدأ من بيت متماسك، وبيت متماسك لا يقوم إلا على أبٍ حاضر، حقيقي، يُشعر أبناءه أنهم أولوية لا هامش.
في النهاية، الأب ليس لقبًا يُمنح، بل دور يُؤدَّى. ومن لا يتحمّل مسؤولية هذا الدور، عليه أن يراجع نفسه، لأن الأبوة ليست حقًا مكتسبًا، بل أمانة تُحاسَب عليها الأجيال.
