بقلم د.نادي شلقامي
— خطوة تاريخية لتحويل الاقتصاد الرقمي المصري
في لحظة فارقة لقطاع الاتصالات المصري، وقعت الحكومة المصرية في 7 فبراير 2026 أكبر صفقة ترددات في تاريخها، بقيمة إجمالية تصل إلى 3.5 مليار دولار أمريكي، مع الشركات الأربع الرئيسية: المصرية للاتصالات، فودافون، أورنج، وإي آند. هذه الصفقة، التي أتاحت 410 ميغاهرتز إضافية من الطيف الترددي – وهو حجم يعادل كل ما تم تخصيصه خلال الثلاثين عامًا الماضية – تمثل نقلة نوعية في تطوير البنية التحتية الرقمية، وسط توقعات بتحسين جذري في سرعة الإنترنت ودعم شبكات الجيل الخامس (5G). مع ارتفاع عدد مستخدمي الإنترنت في مصر إلى أكثر من 96 مليون شخص، يأتي هذا الاتفاق في وقت حرج لمواجهة شكاوى الملايين من بطء الاتصال، خاصة في المناطق الريفية والصعيد، حيث تكشف الدراسات عن فجوة رقمية تصل إلى ضعف احتمال حرمان السكان الريفيين من الإنترنت مقارنة بالحضر. في هذا التقرير الاستقصائي، نغوص في تفاصيل الصفقة، ونحلل تأثيرها على سرعة الإنترنت، استخدام الأموال، وآراء الخبراء والمستخدمين، لنرسم صورة شاملة عن ما إذا كانت هذه الصفقة ستحل أزمة “الإنترنت البطيء” في مصر أم لا.
أولا….العناصر الرئيسية للصفقة
1- الحجم التاريخي للترددات المخصصة
تم تخصيص 410 ميغاهرتز جديدة في صفقة واحدة، وهو ما يساوي إجمالي الترددات التي تم تخصيصها في مصر خلال الثلاثين عامًا الماضية مجتمعة.
2- القيمة المالية الكبرى
بلغت قيمة الصفقة 3.5 مليار دولار أمريكي، وهي الأكبر في تاريخ قطاع الاتصالات المصري، وسيتم سدادها بالكامل بالدولار من قبل الشركات الأربع.
3- الشركات المشاركة
المصرية للاتصالات، فودافون مصر، أورنج مصر، إي آند مصر (الاتحاد للاتصالات سابقًا).
4- المدة الزمنية للتنفيذ
خطة خمسية تمتد من عام 2026 حتى عام 2030، تشمل توزيع الترددات وتطوير الشبكات تدريجيًا.
5- الأثر المتوقع على سرعة الإنترنت
زيادة كبيرة في السعات المتاحة، مما يدعم انتشار شبكات الجيل الخامس (5G) ويحسن جودة الخدمة بشكل ملحوظ، خاصة في المناطق ذات الكثافة العالية.
6- التركيز على المناطق الريفية والصعيد
الصفقة تهدف إلى تقليص الفجوة الرقمية، حيث يعاني السكان في الريف من ضعف التغطية وانخفاض السرعات مقارنة بالمدن الكبرى.
7- مصير الأموال المحصلة
ستُستخدم جزئيًا لدعم الموازنة العامة للدولة، وجزئيًا كبير لتمويل تحسين البنية التحتية الرقمية، بما في ذلك توسيع شبكات الفايبر الضوئي وإنشاء أبراج جديدة.
8- الالتزامات المستقبلية للمشغلين
الشركات ملزمة باستثمارات إضافية في توسيع التغطية، خاصة في المناطق النائية والمحرومة، لضمان استفادة جميع المواطنين من التحسينات.
9- التوقيت المتوقع للتحسن الملموس
سيبدأ التحسن الفعلي في جودة الخدمة تدريجيًا من عام 2027 مع دخول الترددات الجديدة حيز التشغيل الكامل.
10- آراء المستخدمين في الصعيد والريف
محمد علي (موظف في سوهاج): “الإنترنت هنا يتوقف كل دقيقة، والباقات تخلص سريعًا. لو الصفقة دي هتحسن السرعة، هتغير حياتنا، خاصة مع الطلب على الإنترنت غير المحدود.”
فاطمة أحمد (طالبة في أسوان): “في الريف، النت ضعيف جدًا، ونحتاج سرعة أعلى للدروس عبر الإنترنت.”
11- رأي خبراء سابقين في الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات
المهندس محمد إبراهيم (نائب رئيس NTRA سابقًا): “هذه الصفقة خطوة هامة لدعم الـ5G، وستؤدي إلى تحسن كبير في الجودة، لكن يجب على الشركات الاستثمار في الريف لتحقيق التغطية الكاملة.”
12- تحذيرات الخبراء
الدكتور أحمد بدوي (خبير تكنولوجيا): “المناطق الريفية تحتاج متابعة مستمرة، ويجب حصر الضعف لضمان الحل العاجل.”
ثانيا……..أبعاد الصفقة وأثرها الشامل
لا تقتصر هذه الصفقة على كونها اتفاقاً مالياً ضخماً، بل تمتد آثارها لتلمس كل مفاصل الدولة والمجتمع وفق المحاور التالية:
1- الأثر على الفرد العادي (المواطن)
— إنهاء “خنق” الشبكات:
زيادة سعة الشبكة تعني استقرار الخدمة في أوقات الذروة والمناطق المزدحمة، حيث لن تتأثر سرعتك بكثافة المستخدمين حولك.
— تجربة الـ 5G الحقيقية:
تمكين المواطن من السرعات الفائقة التي تتيح تحميل البيانات الضخمة في ثوانٍ، ودعم تطبيقات التعليم التفاعلي والواقع الافتراضي.
— العدالة الرقمية:
سيتمكن الطالب في أقصى الصعيد من حضور دروسه “أونلاين” بنفس جودة وكفاءة الطالب في العاصمة.
–جودة المكالمات:
إنهاء ظاهرة سقوط المكالمات أو تقطع الصوت بفضل كفاءة استيعاب الترددات الجديدة للمكالمات الصوتية بجانب البيانات.
2- الأثر على مجتمع الشركات والأعمال
— ثورة “إنترنت الأشياء” (IoT):
تمكين المصانع والشركات اللوجستية من ربط معداتها بالإنترنت لحظياً لزيادة الإنتاج وتقليل الفاقد.
— جذب قطاع التعهيد:
تحويل مصر لمركز عالمي لخدمات البيانات، مما يخلق آلاف فرص العمل للشباب في الشركات الدولية.
— دعم الشركات الناشئة:
توفير بيئة خصبة لرواد الأعمال في مجالات التكنولوجيا المالية والذكاء الاصطناعي دون عوائق تقنية.
— كفاءة العمل عن بُعد:
دعم نموذج العمل الهجين بفضل سرعات الرفع (Upload) العالية، مما يوفر تكاليف التشغيل للشركات.
3- الأثر على الدولة والاقتصاد القومي
— دعم الخزانة العامة:
دخول 3.5 مليار دولار بالعملة الصعبة يدعم الاحتياطي النقدي ويساهم في استقرار الموازنة.
— تسريع “مصر الرقمية”:
توفير البنية الأساسية لرقمنة كافة الخدمات الحكومية (تموين، صحة، مرور) لتصبح أسرع وأكثر شفافية.
— رسالة ثقة للمستثمرين:
الصفقة تؤكد امتلاك مصر بنية تحتية تضاهي الدول المتقدمة، مما يشجع على ضخ رؤوس أموال أجنبية جديدة.
— الريادة الإقليمية:
وضع مصر كأكبر سوق للاتصالات في المنطقة، وتعزيز مكانتها كمركز إقليمي لتبادل البيانات بين أفريقيا وأوروبا.
خاتمة: بوابة نحو مصر رقمية مستدامة وشاملة
في الختام، تمثل صفقة الترددات التاريخية بـ3.5 مليار دولار أكثر من مجرد اتفاق مالي؛ إنها استثمار استراتيجي في مستقبل مصر الرقمي، يعد بتحويل الإنترنت من “أزمة يومية” إلى أداة تنمية شاملة، خاصة في المناطق الريفية والصعيد حيث تكمن الفرص الحقيقية لسد الفجوة الرقمية. مع خطط لتوسيع الفايبر ودعم الـ5G، يمكن لهذه الصفقة أن ترفع مصر إلى مصاف الدول الرائدة في الشرق الأوسط، بشرط تنفيذ فعال وشفاف للاستثمارات. إن نجاحها لن يقاس فقط بزيادة السرعات، بل بقدرتها على تمكين الملايين من الوصول إلى فرص التعليم، العمل، والابتكار، مما يجعل مصر نموذجًا للتحول الرقمي المستدام في العالم العربي.
