بقلم د.نادي شلقامي
في قلب الأزمة الإنسانية الأكبر في تاريخ الشرق الأوسط، تبرز مصر كقوة إقليمية لا تتزعزع، تمد يد العون للشعب الفلسطيني الشقيق وسط حرب مدمرة أودت بحياة عشرات الآلاف وأصابت مئات الآلاف الآخرين. مع إعادة فتح معبر رفح جزئياً في 2 فبراير 2026، بعد إغلاق دام أكثر من عام ونصف، أصبحت مصر بوابة الشفاء الوحيدة لجرحى غزة، حيث يحتاج أكثر من 22,000 فلسطيني إلى علاج خارجي عاجل بسبب الإصابات الحربية الوحشية والأمراض المزمنة. هذه الجهود ليست مجرد مساعدات طبية، بل استراتيجية شاملة تجمع بين الدبلوماسية الحادة، التنسيق الأمني الدقيق، والعمل الإنساني السريع، رغم العراقيل الإسرائيلية المستمرة. في هذا التقرير، نستعرض بالتفصيل كيف تحولت مصر إلى رمز للصمود العربي، محولة معبر رفح من نقطة نزاع إلى جسر أمل، معتمدين على أحدث البيانات حتى 7 فبراير 2026.
— العناصر الرئيسية لجهود مصر في استقبال وعلاج الجرحى الفلسطينيين عبر رفح
أولا…الجانب العسكري:
( تأمين المعبر ومواجهة التهديدات الأمنية)
— يلعب الجيش المصري دوراً محورياً في تأمين الجانب المصري من معبر رفح، حيث نشر آلاف الجنود والمعدات العسكرية في شمال سيناء لضمان سلامة العمليات الإنسانية رغم التهديدات الأمنية المحتملة من جانب إسرائيل أو عناصر متطرفة.
— منذ إعادة الفتح، أجرى الجيش عمليات تفتيش دقيقة للسيارات الإسعاف والمرافقين، بالتنسيق مع الجانب الإسرائيلي عبر ممر “ريغافيم” الذي يسيطر عليه الجيش الإسرائيلي، حيث يتم فحص الهويات والأمتعة لمنع أي تسلل أمني.
— كما ساهم الجيش في نقل الجرحى عبر 300 سيارة إسعاف مجهزة بأحدث التقنيات العسكرية للعناية المركزة، مع رفع حالة الطوارئ العسكرية لمواجهة أي هجمات محتملة على القوافل.
— في 4 فبراير، أدى تدخل عسكري مصري إلى إلغاء تأخيرات إسرائيلية، مما سمح بنقل دفعة ثالثة من الجرحى.
— هذه الجهود تعكس استراتيجية دفاعية شاملة، حيث رفضت مصر أي وجود عسكري إسرائيلي مباشر على الجانب المصري، محافظة على سيادتها الوطنية رغم الضغوط.
ثانيا…الجانب السياسي:
( المفاوضات الدبلوماسية لفتح المعبر وتوسيع الإجلاء)
— نجحت مصر سياسياً في إعادة فتح رفح كجزء من اتفاق وقف إطلاق النار الهش بين إسرائيل وحماس، برعاية أمريكية ومصرية، رغم إغلاقه منذ مايو 2024.
— أدت الضغوط السياسية المصرية إلى اتفاق يسمح بإجلاء 150 مريض يومياً، لكن الجانب الإسرائيلي قلص العدد إلى 5-7 فقط في الأيام الأولى، مما أثار إدانة مصرية رسمية للانتهاكات التي تعرقل الجهود الإنسانية.
— كما دعت مصر إلى نشر قوة دولية في غزة لتسهيل الإغاثة، خلال محادثات مع وزراء خارجية عرب وأوروبيين، مؤكدة رفضها لأي محاولات إسرائيلية لتصفية القضية الفلسطينية عبر التهجير القسري. هذه السياسة تعززت بدعم من الاتحاد الأوروبي الذي يشرف على المعبر، ومنظمة الصحة العالمية التي وصفت الفتح بـ”الأمل المختلط بالقلق”.خ
ثالثا…الجانب الطبي:
( استعدادات شاملة لعلاج الجرحى والمرضى)
— أعدت مصر 150 مستشفى على مستوى الجمهورية، بما في ذلك مستشفيات شمال سيناء والقاهرة، لاستقبال الجرحى، مع تخصيص 12,000 طبيب و30,000 عامل طبي للحالات الحرجة مثل الحروق، الشظايا، والأمراض المزمنة كالفشل الكلوي والسرطان.
— حتى 6 فبراير، نقلت مصر أكثر من 100 جريح في دفعات أولى، مع فحوصات فورية عند الوصول ونقل سريع عبر سيارات إسعاف مجهزة.
— كما ساهمت في عودة بعض المتعافين إلى غزة، رغم تحديات مثل نقص الوقود في غزة الذي يعيق الإنقاذ.
— الجهود تشمل مخازن أدوية ودم، بالتعاون مع الهلال الأحمر المصري، الذي أعد “مساحات آمنة” للدعم النفسي والإيواء.
رابعا….دور المخابرات المصرية:
( التنسيق الأمني والوساطة السرية)
— تتولى المخابرات المصرية دوراً حاسماً في التنسيق الأمني لعمليات الإجلاء، كوسيط رئيسي بين إسرائيل وحماس لضمان سلامة المعبر دون تصعيد.
— شاركت في مفاوضات سرية أدت إلى فتح رفح، مع التركيز على فحص الأسماء والمرافقين لمنع أي مخاطر أمنية، بالتنسيق مع الجانب الإسرائيلي عبر قوائم مسبقة.
— كما ساهمت في مواجهة التحديات مثل إلغاء التنسيقات الإسرائيلية، مستخدمة شبكاتها الاستخباراتية لمراقبة التهديدات في سيناء وضمان تدفق الجرحى دون حوادث.
هذا الدور يعكس خبرة مصر الطويلة في الوساطة، حيث منعت تسلل عناصر متطرفة ودعمت الاستقرار الإقليمي.
خامسا…دور وزارة الخارجية المصرية:
(الدبلوماسية النشطة والضغط الدولي)
— قادت وزارة الخارجية حملة دبلوماسية مكثفة لإدانة الانتهاكات الإسرائيلية التي تعيق الإجلاء، مطالبة بتنفيذ كامل لاتفاق السلام لضمان تدفق غير محدود للجرحى.
— شارك وزير الخارجية في اجتماعات مع نظرائه العرب والأوروبيين، مثل تلك مع سلوفينيا، لدعم حل الدولتين وتوسيع الإغاثة. كما نسقت مع الاتحاد الأوروبي لإشرافه على المعبر، وأصدرت بيانات تؤكد رفض مصر لأي تهجير قسري، مع الدعوة لقوة دولية في غزة لتسهيل العمليات الطبية.
سادسا…دور اللجنة المصرية:
( التنسيق الإنساني والإغاثي)
— أنشأت اللجنة التنسيقية لاستقبال الجرحى والمصابين من غزة، برئاسة نائب رئيس الوزراء ووزير الصحة، لإدارة العمليات اللوجستية، بما في ذلك تخصيص المستشفيات وتنسيق مع الهلال الأحمر.
— كما ساهمت لجنة الإغاثة المصرية في غزة في توزيع المساعدات داخل القطاع، مثل الوجبات والأدوية، بالتعاون مع المنظمات الدولية.
— هذه اللجان رفعت حالة الطوارئ الوطنية، مما سمح بنقل سريع وآمن للجرحى، رغم التحديات مثل الإلغاءات الإسرائيلية.
سابعا….دور محافظة شمال سيناء:
(قلب المعركة الإنسانية والظهير اللوجستي)
— لم تكن محافظة شمال سيناء مجرد نطاق جغرافي للأحداث، بل تحولت بكافة أجهزتها التنفيذية وشعبها إلى غرفة عمليات مفتوحة على مدار الساعة. وتحت إشراف مباشر من قيادة المحافظة، تم تفعيل خطة الطوارئ القصوى التي شملت:
1-الاستنفار المحلي الشامل:
تهيئة البنية التحتية في مدينتي رفح والشيخ زويد لاستقبال التدفقات البشرية، وتوفير كافة سبل الإعاشة للمرافقين والأطقم الطبية.
2- التنسيق الميداني:
لعبت المحافظة دور “المايسترو” في الربط بين الهلال الأحمر المصري، ومديرية الصحة، والجهات الأمنية لتذليل أي عقبات بيروقراطية قد تواجه حركة سيارات الإسعاف أو دخول المساعدات.
3- الدور الشعبي والمجتمعي:
برز دور أهالي سيناء كظهير شعبي أصيل، حيث تسابقت الجمعيات الأهلية والمتطوعين من أبناء المحافظة لتقديم الدعم اللوجستي والنفسي للأشقاء الفلسطينيين، مؤكدين أن سيناء هي “خط الدفاع الأول” عن العروبة والإنسانية.”
وختاما… رسالة خالدة للتضامن العربي والإنسانية العالمية
في زمن يغلب فيه الصراع على الإنسانية، تقف مصر شاهداً حياً على أن الجهود المتكاملة – عسكرياً وسياسياً وطبياً – يمكن أن تحول الكارثة إلى أمل. من خلال دورها الرائد في رفح، أنقذت مصر آلاف الأرواح، مؤكدة التزامها بالقضية الفلسطينية كقضية مصرية أصيلة.
هذه الجهود ليست نهاية الطريق، بل دعوة عاجلة للمجتمع الدولي لإنهاء الاحتلال، فتح المعابر بشكل كامل، وإقامة دولة فلسطينية مستقلة.
إنها قمة الإنسانية، تذكر العالم بأن التضامن ليس خياراً، بل واجباً مقدساً يضمن مستقبلاً أفضل للأجيال القادمة.
