د.نادي شلقامي
في ساحة معركة غير مرئية، تتدافع فيها الحقائق مع الأوهام، والعلم مع الخرافة، يخوض الإعلام المصري معركةً مصيرية هي الأكثر جرأة وتأثيراً في تاريخه الحديث: “معركة تحرير العقل الجمعي”. لم تعد المواجهة مع محتوى هابط عابر، بل مع منظومة كاملة من “شيوخ الدجل” الذين احتلوا الشاشات لعقود، يبيعون الأوهام تحت مسميات دينية ونفسية مزيفة، من فك الأسحار وقراءة الكف إلى التنجيم والأبراج. في هذا المشهد، يأتي القرار التاريخي لحظر ظهور هؤلاء على المنصات الإعلامية كقذيفة مدوية، تعكس إرادة مؤسسية عليا لقلب الطاولة على ثقافة الاستغلال. هذا التقرير يرصد تفاصيل هذه “الحرب الشاملة”، ويكشف عن استراتيجية الإعلام الواعي ومنصات التواصل الاجتماعي المحترمة التي انضمت للجبهة، محوّلة القرار من “منع” إلى “مشروع تنويري” متكامل لبناء وعي جديد، في عهد يرأسه الإعلامي الكبير أحمد المسلماني رئيس الهيئة الوطنية للإعلام.
— استراتيجية “الحصار”.. من القرار إلى التنفيذ
أولاً: القرار – الضربة الاستباقية في عهد جديد
يمثل الحظر الصارم لظهور الدجالين والمشعوذين على الشاشة، تحت مظلة الهيئة الوطنية للإعلام برئاسة الإعلامي أحمد المسلماني، نقطة تحول جوهرية من التسامح الضمني إلى المواجهة المعلنة. إنه أكثر من قرار رقابي؛ إنه إعلان مبادئ لعهد إعلامي جديد يضع المصلحة العامة والعقلانية فوق اعتبارات الترويج ونسب المشاهدة. هذا التحرك الاستراتيجي يستهدف:
1- تفكيك شرعية الوهم : حرمان هذه الممارسات من الهالة الإعلامية التي كانت تمنحها إياها الظهور على شاشات محترمة، وتحويلها إلى نشاط هامشي.
2- إعادة هندسة المحتوى : تحويل بوصلة البرامج الحوارية والاجتماعية من الإثارة الرخيصة إلى الإرشاد القائم على العلم والدين الصحيح، باستضافة خبراء حقيقيين.
3- حصار اقتصادي : تجفيف أهم منبع للشهرة والعملاء على هؤلاء المشعوذين، وهو الظهور الإعلامي المجاني الواسع الانتشار.
ثانياً: الجبهة الإعلامية – تحالف القنوات الواعية والمنصات الرقمية المحترمة
شكل التوجه الرسمي حافزاً قوياً لبروز تحالف إعلامي تنويري، يقدم البديل الرصين ويحاصر ثقافة الدجل:
1. جبهة الإعلام المؤسسي (الرقمي والتقليدي):
1-1- منصات الهيئة الوطنية للإعلام: قنوات التليفزيون والإذاعة التابعة للهيئة أصبحت نموذجاً للالتزام، حيث تقدم برامج توعوية حول مخاطر الشعوذة، وتستضيف علماء دين ورجال علم لتفنيد هذه الممارسات.
1-2- الإعلام الخاص المسؤول: قنوات خاصة التزمت بروح القرار ورفعت سقف محتواها، معولةً على جودة التحليل والخبرة الحقيقية في برامج الصحة النفسية والاجتماعية، بدلاً من الدراما الوهمية لفك “الربط” و”السحر”.
2. جبهة السوشيال ميديا (ميدان المعركة الأوسع):
2-1- الوجوه العلمية الجديدة: انتشرت قنوات يوتيوب وبودكاستات لأساتذة (الطب النفسي) وعلم الاجتماع (مثل د. هبة العيسوي، د. محمد طه)، تقدم علم النفس بلغة مبسطة وتكشف زيف ادعاءات المشعوذين.
2-2- منصات التثقيف العلمي النخبوية والشعبية: حسابات مثل “بالعلم نعمر” و “شبابيك”، التي تترجم الحقائق العلمية وتواجه الخرافات الفلكية (الأبراج) بعلوم الفضاء الحقيقية.
2-3- الصوت الديني الموثوق: حسابات دار الإفتاء المصرية و صفحات علماء الأزهر الرسميين، التي تزيد من وتيرة نشر الفتاوى والتفسيرات التي تبيّن حرمة الشعوذة والدجل، مستخدمةً أدوات الإعلام الجديد.
2-4- مبادرات الشباب: حملات مثل #اسأل_طبيب_مش_ساحر و #عقلك_أقوى_من_الخزعبلات التي انتشرت كالنار في الهشيم على “تيك توك” و “إنستجرام”، مستخدمة الميمات والإنفوجرافيك للتوعية بطريقة تناسب الجيل الجديد.
ثالثاً: معارك موازية وتحديات أمام استدامة الحصار
رغم نجاح قرار الحظر في إغلاق البوابة الإعلامية الرئيسية، فإن المعركة لا تزال تحتاج إلى توسيع نطاق الحصار لضمان انتصار دائم:
1- جبهة المنصات الرقمية العابرة للحدود: صعوبة مراقبة أو ملاحقة المحتوى الذي ينتجه مشعوذون مصريون على منصات أجنبية أو قنوات “يوتيوب” خاصة.
2- جبهة التخفي: تحول بعض الدجالين إلى خطاب أكثر “تطويراً” و”تستّراً”، متخفّين في صورة “مدربين تنمية بشرية” أو “خبراء طاقة” يقدمون نفس الوهم بتغليف حديث.
3- الجذر المجتمعي : وجود بيئة مجتمعية في بعض المناطق لا تزال تنتج وتستهلك هذه الخدمات الوهمية، مما يحتاج لمعالجة مجتمعية متكاملة تتجاوز الإعلام.
رابعا….خطة التوسع في نطاق الحرب الشاملة:
1- حصار تشريعي وتعاوني: العمل على تطوير آليات للتعاون مع شركات التواصل الاجتماعي العالمية (ميتا، جوجل، تيك توك) لوضع علامات تحذيرية أو خفض ترتيب المحتوى الذي يروج للشعوذة ويستهدف المشاهد المصري.
2. حصار توعوي مؤسسي: إلزام جميع البرامج الترفيهية والصحية في الإذاعة والتليفزيون بتضمين رسائل توعية قصيرة (رسائل خدمة عامة) خلال فترات الاستراحة التجارية، حول خطورة اللجوء للمشعوذين والعناوين الحقيقية للمساعدة (خطوط الإرشاد النفسي المجانية، مكاتب الاستشارات الأسرية).
3- حصار من الداخل : تشجيع وتسهيل قيام المراكز البحثية (مركز الأهرام للدراسات، المركز القومي للبحوث الاجتماعية) بإجراء دراسات ميدانية لرسم خريطة انتشار الظاهرة وفهم دوافع اللجوء إليها، لتكون السياسات مبنية على بيانات.
4- تمكين البديل: التوسع في إنشاء عيادات الصحة النفسية المجتمعية التابعة لوزارة الصحة بأسعار رمزية، والترويج لها إعلامياً كبديل شرعي وآمن.
وختاما … من حصار الدجالين إلى بناء جمهور منيع
فإن قرار “حصار الدجالين” في عهد أحمد المسلماني ليس غاية في حد ذاته، بل هو أداة تحرير للأفق الإعلامي والفكري. النجاح الحقيقي يُقاس بمدى قدرة الإعلام المصري على ملء الفراغ الذي تركه غياب هؤلاء بمحتوى جذاب وعملي وعلمي، يلبي حاجة الناس الحقيقية للإرشاد والطمأنينة دون استغلال.
المشهد الحالي يشهد ولادة عقد اجتماعي جديد بين الإعلام والجمهور، قائم على الثقة والمسؤولية. عندما يصبح من “اللامعقول” اجتماعياً أن يعلن شخص عن لجوئه لمشعوذ، وعندما تكون أولوية القنوات هي تقديم استشاري نفسي معتمد بدلاً من “مدعي القدرات الخارقة”، وعندما يفتخر الشاب بمعلوماته العلمية بدلاً من اتباع الأبراج، وقتها نكون قد حوّلنا الحصار من قرار إداري إلى ثورة ثقافية.
هذه الحرب الشاملة هي استثمار في أهم رأس مال وطني: العقل البشري المصري. وهي رسالة واضحة بأن مستقبل مصر يُبنى على أسس من المنطق والعلم والوعي، وأن الإعلام سيكون دائماً في الصف الأمامي للدفاع عن هذه الأسس.
