كتبت/نجده محمد رضا
في تطوّر علمي مثير للجدل، أعلن عدد من الباحثين عن اكتشاف ظاهرة جديدة أطلقوا عليها اسم “الخلايا الزومبية”، وهي خلايا تظلّ حية وتواصل نشاطها الحيوي حتى بعد موت الكائن الحيّ بفترة قصيرة. هذا الاكتشاف قلب المفاهيم التقليدية عن الموت رأسًا على عقب، وفتح بابًا واسعًا للأسئلة الأخلاقية والعلمية حول معنى الحياة والموت وحدودهما.
توصّل العلماء إلى أن بعض خلايا الجسم، وخاصة خلايا المخ والكبد والجلد، لا تموت فور توقف القلب كما كان يُعتقد سابقًا، بل تدخل في حالة من النشاط “الانعزالي”؛ إذ تواصل التفاعل الكيميائي الحيوي بشكل مستقل، وكأنها تقاوم الموت لفترة مؤقتة. وقد وُصفت هذه الحالة بـ”الزومبية” تشبيهًا بالكائنات الخيالية التي تعود للحياة بعد الموت، لكن العلماء يؤكدون أنها حالة بيولوجية حقيقية ومدهشة وليست أسطورة.
وقد أجرى فريق بحثي في جامعة “ييل” الأمريكية تجربة على أدمغة خنازير ميتة منذ ساعات، حيث استطاعوا إعادة بعض النشاط العصبي فيها عبر ضخّ مواد كيميائية خاصة تشبه الدم، مما سمح للخلايا باستعادة وظائفها الحيوية مؤقتًا. ورغم أنّ الأدمغة لم تستعد الوعي أو التفكير، إلا أنّ هذا الإنجاز أظهر أن الموت ليس لحظة حاسمة كما نتصور، بل عملية تدريجية معقدة يمكن تأخيرها أو التأثير عليها.
العلماء يرون أن هذه الظاهرة قد تُحدث ثورة في مجالات الطب وزراعة الأعضاء، إذ يمكن الحفاظ على الأنسجة لفترات أطول بعد الوفاة، مما يزيد من فرص إنقاذ حياة المرضى. كما يعتقد بعض الباحثين أن فهم “الخلايا الزومبية” قد يساعد في تطوير علاجات جديدة لأمراض التنكّس العصبي مثل الزهايمر وباركنسون، لأنها تكشف عن آليات خفية في قدرة الخلايا على البقاء والمقاومة.
ومع ذلك، أثار هذا الاكتشاف جدلاً أخلاقيًا واسعًا في الأوساط العلمية والدينية، إذ طرح تساؤلات حول حدود التدخل البشري في الحياة والموت، وهل يجوز “إحياء” خلايا من جسد ميت؟ وهل يحقّ للعلم أن يتجاوز المفهوم الروحي للموت من أجل البحث؟ هذه التساؤلات لا تزال دون إجابة واضحة، لكن المؤكد أنّ الاكتشاف جعل العلماء يعيدون النظر في تعريف الموت ذاته.
ويؤكد الخبراء أن هذا المجال ما زال في بدايته، وأن ما تم تحقيقه حتى الآن لا يعني إمكانية “إحياء الموتى”، بل مجرد فهمٍ أعمق لكيفية استمرار بعض الخلايا في الحياة رغم توقف القلب والدماغ. ومع تطور التكنولوجيا، قد نصل إلى لحظة يصبح فيها الموت أقلّ غموضًا، وأكثر قابلية للفهم والتحكم العلمي.
في النهاية، يبقى اكتشاف الخلايا الزومبية علامة فارقة في تاريخ الطب الحديث، لأنه كشف أن الحياة ليست مجرد نبض قلب أو وميض وعي، بل شبكة معقدة من الأنشطة الدقيقة التي ترفض الفناء بسهولة.
هذا الاكتشاف لم يغيّر فقط فهم العلماء للموت، بل أعاد تعريف الحياة ذاتها.
