تقرير
بقلم د.نادي شلقامي
الزواج عقد مقدس مبني على الثقة المتبادلة والمودة والرحمة. لكن حين يتسلل الشك إلى قلب الزوجة، يصبح المرض الذي يأكل أساس العلاقة، ويحول السكن إلى سجن. إن ظاهرة “شك الزوجة في زوجها بدون وجه حق” ليست مجرد خلاف عابر، بل قد تتطور إلى إدمان نفسي وعاطفي يدمر الحياة المشتركة، ويطلق شرارة جحيم الظنون التي لا تنتهي، ما يستدعي النظر إليها بجدية كـ “مرض الشك القاتل”.
أولا….الأسباب والدوافع: من الغيرة إلى المرض
الشك غير المبرر له جذور عميقة، قد تكون نفسية أو اجتماعية أو مرتبطة بالتجارب السابقة، ومن أبرزها:
1- الخلفية النفسية والاجتماعية للزوجة:
1-1- تدني تقدير الذات (Self-esteem): شعور الزوجة بأنها غير كافية أو أقل جمالاً أو ذكاءً، ما يدفعها للاعتقاد بأن زوجها سيبحث عن بديل.
1-2- الخبرات السابقة المؤلمة: التعرض للخيانة في علاقات سابقة، أو نشأتها في بيئة أسرية يسودها الشك وعدم الأمان.
1-3-الغيرة المرضية (Pathological Jealousy): تحول الغيرة الطبيعية إلى هوس قهري بالسيطرة والتملك والمراقبة.
1-4- النموذج السلبي للعلاقات: التأثر المفرط بما يُعرض في الإعلام والمسلسلات عن الخيانات الزوجية.
2- تصرفات الزوج غير المقصودة:
2-1- الغموض المفرط: تحفظ الزوج الشديد على تفاصيل حياته أو هاتفه الخاص، ما يفتح أبواب التأويل للزوجة القلقة.
2-2- تذبذب المشاعر: التغير المفاجئ في المعاملة أو الانشغال المفرط بالعمل أو الهاتف، حتى لو كان لأسباب مهنية بحتة.
2-3- الفراغ العاطفي/الزمني: عدم قضاء وقت كافٍ مع الزوجة، ما يمنحها وقتاً للتفكير المفرط السلبي.
3 – الشك المرضي (اضطراب الشخصية البارانوية): في الحالات القصوى، قد يكون الشك عرضاً لمرض نفسي يستوجب العلاج المتخصص، حيث يفقد الشخص القدرة على التمييز بين الحقيقة والظن.
ثانيا….الأعراض: عندما يصبح الشك إدمانا وسلوكاً قهريا..
عندما يتحول الشك إلى إدمان، يصبح سلوكًا قهريًا متكررًا يُرهق الزوجة والزوج معًا. تشمل أبرز الأعراض والسلوكيات الدالة على تحول الشك إلى مرض:
1- التجسس والمراقبة القهرية: يشمل هذا فحص هاتف الزوج سراً، وتتبع موقعه (GPS)، وقراءة رسائله الإلكترونية أو رسائل تطبيقات التواصل الاجتماعي، ومراقبة تحركاته وتفاصيل يومه بدقة.
2- الاستجواب المتكرر والمفصَّل: توجيه سلسلة من الأسئلة التفصيلية عن كل دقيقة قضاها الزوج خارج المنزل، ومحاولة مقارنة إجاباته السابقة لكشف تناقضات قد تكون وهمية أو غير مقصودة.
3- تفسير السلوكيات البريئة بشكل سلبي: تحويل أي تصرف عادي أو طبيعي (مثل التأخير البسيط، مكالمة عمل عاجلة، أو انشغال بالهاتف لأسباب مهنية) إلى دليل قاطع على الخيانة أو إخفاء أمر ما.
4- الهجوم اللفظي والعاطفي: شن اتهامات مستمرة لا تستند إلى دليل، والدخول في نوبات غضب أو بكاء، أو استخدام التهديد بالطلاق أو ترك المنزل كوسيلة للضغط العاطفي وإجبار الزوج على الاعتراف.
5- العزلة الاجتماعية والتحكم: محاولة عزل الزوج عن محيطه الاجتماعي أو المهني، ورفض التعامل مع زملاء العمل أو الأصدقاء المشتركين، خوفاً من وجود “منافسة” أو فقدان السيطرة على دائرته الاجتماعية.
6- البحث الدائم عن أدلة: قضاء وقت طويل في تحليل لغة جسد الزوج أو تعابير وجهه أو حتى ملابسه، بحثًا عن أي علامة، حتى لو كانت لا تُشير لأي شيء مريب.
ثالثا…. كيفية العلاج والتخلص من الإدمان على الشك
العلاج يتطلب جهدًا مشتركًا وإرادة قوية، ويقوم على ثلاثة محاور رئيسية:
المحور الأول: العلاج الذاتي للزوجة
1- الاعتراف بالمشكلة: الخطوة الأولى هي إدراك أن المشكلة تكمن في الظنون الداخلية وليست في الأفعال الخارجية للزوج.
2- قاعدة “الدليل المادي”: يجب عدم اتخاذ أي قرار أو التعبير عن أي اتهام دون دليل مادي وواضح لا يقبل الشك. استبدال مبدأ “أشك إذن أتجسس” بمبدأ “أؤمن إذن أطمئن”.
3- التركيز على الذات: العمل على تعزيز الثقة بالنفس وهواياتها ومسؤولياتها، لتقليل وقت الفراغ الذهني المخصص للشك.
4- تنمية الجانب الروحي: الاستعاذة من الشيطان وعدم اتباع خطواته، وتذكر النهي الشرعي عن سوء الظن والتجسس: “اجتنبوا كثيرًا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا”.
المحور الثاني: دور الزوج (المساعدة على الشفاء)
1- الشفافية الهادئة: زيادة الوضوح في التعاملات قدر الإمكان، دون التنازل عن الخصوصية المطلقة. قد يشارك الزوج بعض التفاصيل من تلقاء نفسه لبناء جسور الثقة.
2- الاحتواء وعدم الرد بالتصعيد: تجنب الدخول في دائرة الشك بالشك، والرد على الاتهامات بـ هدوء وحب بدلًا من الغضب، وتأكيد المحبة والالتزام.
3- قضاء وقت نوعي: تخصيص وقت يومي أو أسبوعي بعيدًا عن الأطفال والعمل لتعزيز الروابط العاطفية والأمان.
المحور الثالث: التدخل الاحترافي
1- المشورة الزوجية: استشارة متخصص لتحديد جذور الشك المرضي وتزويد الزوجين بأدوات التواصل الصحيحة.
2- العلاج النفسي الفردي: إذا كان الشك يرتبط باضطراب نفسي أو خبرات صادمة، يجب على الزوجة زيارة طبيب نفسي أو معالج سلوكي، خاصة إذا وصل الأمر إلى اضطراب الشخصية البارانوية.
ختاما…إن الشك غير المبرر ليس دليل حب أو غيرة، بل هو دليل خوف وقلق، وربما إدمان يهدد بتفكيك الأسر. إن إنقاذ العلاقة لا يكمن في إثبات البراءة، بل في إعادة بناء جدار الثقة الذي اهتز. على الزوجة أن تتذكر أن سعادتها ليست رهينة سلوك زوجها، بل رهينة سلامها الداخلي وتقديرها لذاتها. الشك يهدم، والثقة تبني، ولا يمكن لبيت أن يقوم على أرض رخوة من الظنون.
