بقلم د.نادي شلقامي
في صبيحة يوم شتوي هادئ من عام 1952، لم تكن مدينة الإسماعيلية تعلم أنها على موعد مع سطر جديد في سجل الخلود. هناك، حيث تعانق مياه القناة رمال سيناء، وقفت ثلة من رجال الشرطة المصرية بأسلحة بسيطة وإرادة فولاذية، يواجهون دبابات ومدافع أكبر إمبراطورية في ذلك الوقت. لم تكن مجرد معركة عسكرية، بل كانت إعلاناً صريحاً بأن “الكرامة المصرية لا تُباع ولا تُشترى”. اليوم، ونحن نحتفل بعيد الشرطة، لا نحتفل بمجرد ذكرى، بل نجدد العهد مع عقيدة وطنية راسخة قوامها “الفداء من أجل البقاء”.
تفاصيل الملحمة: ماذا حدث في محافظة الإسماعيلية؟
بدأت القصة عندما وجه القائد البريطاني “أكسهام” إنذاراً نهائياً لقوات الشرطة المصرية لتسليم أسلحتها وإخلاء مبنى المحافظة. وجاء الرد الذي هز أركان الاحتلال من وزير الداخلية آنذاك، فؤاد سراج الدين، بكلمته الشهيرة: “المقاومة حتى آخر طلقة وآخر رجل”.
— موازين القوى: واجه 850 جندياً مصرياً مسلحين ببنادق قديمة، قوة بريطانية قوامها 7 آلاف جندي مدعومين بالدبابات وسلاح الجو.
— لحظة الاستشهاد: استمرت المعركة لساعات طويلة، سقط خلالها 50 شهيداً و80 جريحاً من أبطال الشرطة، حتى نفدت ذخيرتهم.
— التحية العسكرية: من شدة إعجاب القائد البريطاني بصمود المصريين، أمر جنوده بتقديم “لتحية العسكرية” لجثامين الشهداء وللمصابين أثناء خروجهم، تقديراً لبسالتهم التي لم يسبق لها مثيل.
أولاً…سيناء.. تطهير الأرض وإرساء الأمان
خاضت الشرطة المصرية بالتعاون مع القوات المسلحة ملحمة بطولية لتطهير شبه جزيرة سيناء من بؤر الإرهاب.
— العمليات الاستباقية: نجحت الأجهزة الأمنية في تفكيك مئات الخلايا النائمة وتجفيف منابع التمويل، مما أدى إلى تراجع العمليات الإرهابية إلى أدنى مستوياتها.
— تأمين التنمية: لم يقتصر الدور على القتال، بل أصبحت قوات الشرطة هي الحارس الأمين لمشروعات التعمير، والجسور، والمطارات الجديدة في سيناء، مما حولها من “منطقة صراع” إلى “واحة للاستثمار”.
ثانياً…حماية دور العبادة.. الأمان للجميع
تجسد الشرطة المصرية أسمى قيم المواطنة من خلال خطط التأمين المحكمة لدور العبادة:
— الانتشار الأمني: تأمين الكنائس والمساجد خاصة في الأعياد والمناسبات القومية، مع إنشاء منظومات مراقبة متطورة مرتبطة بغرف عمليات مركزية.
— التضحية: قدم رجال الشرطة أرواحهم في مواجهات مباشرة أمام بوابات دور العبادة (مثل ملحمة كنيسة مارمينا بحلوان)، ليكونوا حائط الصد الذي يمنع الغدر عن المصلين.
ثالثاً.. الوفاء لأهل العطاء.. رعاية أسر الشهداء
تعتبر وزارة الداخلية رعاية أسر الشهداء “واجباً مقدساً” وليس مجرد إجراء إداري، وذلك من خلال:
— الدعم الاجتماعي والمعنوي: مبادرات إيفاد ضباط وضابطات لاصطحاب أبناء الشهداء في أول أيام الدراسة، وتنظيم رحلات حج وعمرة سنوية لأسرهم.
— صندوق تكريم الشهداء: توفير وحدات سكنية (إسكان اجتماعي)، وخدمات علاجية متميزة بمستشفيات الشرطة، مع أولوية التوظيف لأبناء الشهداء تقديراً لتضحيات آبائهم.
رابعاً…الثورة التكنولوجية.. وداعاً للبيروقراطية
شهد عام 2025 و2026 طفرة غير مسبوقة في “رقمية الخدمات”، حيث استبدلت الوزارة الأوراق التقليدية بأنظمة ذكية:
— الأحوال المدنية “أونلاين”: أصبح بإمكان المواطن استخراج بطاقة الرقم القومي، شهادات الميلاد، وجواز السفر عبر تطبيق “وزارة الداخلية” أو الموقع الإلكتروني، وتصل الوثيقة حتى باب المنزل بالبريد السريع.
— ماكينات الخدمة الذاتية: انتشار “السجل المدني الذكي” في المولات والميادين، حيث تستخرج شهادتك في دقيقتين فقط دون تدخل بشري.
— منظومة المرور: تجديد الرخص إلكترونياً وتفعيل “الملصق الإلكتروني” الذي يراقب حركة الشوارع ويحقق الانضباط المروري بأحدث الوسائل التقنية.
خامساً…الأمن السيبراني وملاحقة “خوارج العصر الرقمي
لم تقف وزارة الداخلية مكتوفة الأيدي أمام الفوضى التي أحدثها البعض على منصات التواصل الاجتماعي (تيك توك، فيسبوك، يوتيوب):
— البلوجرز والمحتوى الهابط: تمتلك الوزارة “إدارة تكنولوجيا المعلومات” التي تستخدم أحدث برامج الرصد لمتابعة المحتوى الذي يحرض على الفسق والفجور أو يهدم قيم الأسرة المصرية، ونجحت في القبض على المتجاوزين الذين استغلوا المنصات لممارسة أفعال غير قانونية.
— مواجهة غسيل الأموال والمحاور القذرة: تتبع “إدارة مكافحة جرائم الأموال العامة” الثروات المفاجئة وأصحاب الحسابات الضخمة الناتجة عن تجارة العملة أو النصب الإلكتروني، وملاحقة الكيانات الوهمية التي تدير صفقات مشبوهة وتجفيف منابع تمويلها.
سادساً… منظومة الاستغاثة الفورية.. المواطن هو المخبر الأول
أحدثت الوزارة ثورة في قنوات التواصل، حيث حولت هاتف كل مواطن إلى وسيلة للإبلاغ الفوري:
— خدمة الواتس آب (WhatsApp): استقبال استغاثات المواطنين وفيديوهات البلطجة أو المخالفات، مع سرعة استجابة مذهلة من دوريات النجدة.
— صفحة الوزارة الرسمية: أصبحت منصة لتلقي الشكاوى في الرسائل الخاصة والتعامل معها بمنتهى السرية والجدية، مما عزز ثقة المواطن في أن “صوته مسموع”.
وختاما…فإن عيد الشرطة ليس مجرد مراسم احتفالية، بل هو “وقفة مع الذات” لاستحضار قيم الشرف والتضحية. إن ما حققته وزارة الداخلية في ملف الأمن الرقمي والواقعي يثبت أن عيون القانون لا تنام، سواء في الواقع أو خلف الشاشات. سيظل يوم 25 يناير رمزاً للتحام الشعب مع شرطته، وبرهاناً على أن مصر، بجيشها وشرطتها، ستبقى دائماً حصناً منيعاً ينكسر على صخرته كل من تسول له نفسه العبث بأمنها. سلامٌ على أرواح من رحلوا ليبقى الوطن، وتحية لمن يسهرون الآن في الميادين لكي ينام الأمان في بيوتنا.
