د. إيمان بشير ابوكبدة
تحيي أذربيجان في العشرين من يناير الذكرى السادسة والثلاثين لأحداث «يناير الدامي»، المجزرة التي ارتكبها الجيش السوفيتي في باكو وعدد من المحافظات عام 1990، وأسفرت عن سقوط مئات الضحايا من المدنيين، لتبقى جرحًا مفتوحًا في الذاكرة الوطنية ورمزًا للتضحيات التي مهّدت لاستقلال البلاد.
وعلى الرغم من مرور أكثر من ثلاثة عقود، لا يزال الألم حاضرًا في وجدان الأذربيجانيين، إذ شكّلت تلك الأحداث نقطة تحول حاسمة أنهت عقودًا من الخضوع للحكم السوفيتي، وأسهمت في تسريع مسار الاستقلال الذي تحقق رسميًا عام 1991.
وتعود جذور الأزمة إلى أواخر ثمانينيات القرن الماضي، حين صعّدت أرمينيا مطالبها بضم إقليم قره باغ، واعتمد المجلس الأعلى الأرميني في ديسمبر 1989 قرارًا بتوحيد الإقليم مع أرمينيا. وردًا على ذلك، خرج مئات الآلاف من الأذربيجانيين في مظاهرات حاشدة بباكو رفضًا للمطالب الإقليمية والسياسات السوفيتية.
أثارت الاحتجاجات المتواصلة قلق السلطات السوفيتية، فقررت إرسال قوات عسكرية إلى العاصمة. وفي 19 يناير 1990، تم قطع بث التلفزيون الأذربيجاني، قبل أن تدخل في المساء قوات سوفيتية قوامها نحو 26 ألف جندي باكو من عدة محاور، مستخدمة الدبابات والمركبات المدرعة.
وأطلق الجنود النار على المدنيين العزّل، ودهست الآليات العسكرية المتظاهرين، كما استُهدفت سيارات الإسعاف ووسائل النقل العامة. وأسفرت تلك الليلة عن مقتل أكثر من 130 مدنيًا في باكو، فيما امتدت المجازر إلى محافظات أخرى مثل لنكران ونفتشالا، ليصل عدد الضحايا إلى نحو 150 قتيلًا، إضافة إلى مئات الجرحى والمعتقلين.
ورغم فرض حالة الطوارئ، خرج السكان مجددًا إلى الشوارع لتشييع الشهداء، حيث دُفنت الجثامين في الموقع الذي عُرف لاحقًا باسم «ممر الشهداء»، بحضور ما يقرب من مليون شخص، في مشهد جسّد وحدة الشعب الأذربيجاني وإصراره على نيل الحرية.
ويؤكد شهود عيان، أن ما جرى في تلك الليلة كُتب بأحرف من ذهب في تاريخ أذربيجان، مشيرين إلى أن استخدام القوة المفرطة والذخيرة المحظورة كشف زيف ادعاءات سلمية الجيش السوفيتي، وزاد من عزيمة الشعب على مواصلة النضال.
وفي كل عام، يتوافد الأذربيجانيون إلى ممر الشهداء لإحياء الذكرى، واضعين زهور القرنفل الحمراء، مع الوقوف دقيقة صمت حدادًا على الأرواح التي فقدت. كما تؤكد السلطات الأذربيجانية أن تضحيات «يناير الدامي» كانت حجر الأساس في استعادة الاستقلال وترسيخ السيادة الوطنية.
من جانبها، دعت مؤسسات رسمية وحقوقية إلى الاعتراف الدولي بأحداث 20 يناير كجرائم ضد الإنسانية، ومحاسبة المسؤولين عنها، معتبرة أن تحقيق العدالة جزء لا يتجزأ من صون الذاكرة الوطنية وتكريم الشهداء.
