بقلم: جيولا إيفين سار – ترجمة: د. إيمان بشير ابوكبدة
في ظل حرب «السيف الحديدي» والقتال المتواصل على سبع جبهات، تعيش إسرائيل واقعًا أمنيًا غير مسبوق، لا يقتصر على اتساع دائرة التهديدات، بل يمتد إلى العبء النفسي الهائل الذي أُلقي على عاتق المقاتلين. مئات الآلاف من جنود الاحتياط جرى استدعاؤهم لخدمة طويلة وشاقة، خدمة لا تنتهي بوقف إطلاق النار، ولا تنقضي بمجرد العودة إلى المنازل.
إلى جانب الجرحى والقتلى في ساحات القتال، تدور حرب أخرى صامتة، لا تحظى بالاهتمام ذاته، لكنها لا تقل فتكًا. إنها معركة الصحة النفسية للمقاتلين. في هذه الجبهة الخفية، يدفع الجنود ثمنًا باهظًا، يصل أحيانًا إلى حدود لا رجعة فيها. وهنا، حيث تتضح مسؤولية الدولة أكثر من أي وقت مضى، يبرز إخفاق أخلاقي ومؤسسي في الاعتراف الكامل بهذه المسؤولية.
هذا الأسبوع، فقد جوشوا (جوش) بون حياته، لا في اشتباك عسكري، ولا نتيجة انفجار أو انهيار مبنى، بل بعد خدمة احتياطية مرهقة امتدت لنحو 748 يومًا، أكثر من 720 يومًا منها كانت متواصلة. جوش، الذي انضم عام 2017 إلى لواء غولاني كجندي وحيد قادم من الولايات المتحدة، خدم خلال الحرب الأخيرة في غزة ولبنان، وشارك في مهام قتالية معقدة، وشهد مشاهد قاسية تركت آثارًا نفسية عميقة.
بحسب مقربين منه، عانى جوش من أعراض اضطراب ما بعد الصدمة: كوابيس متكررة، ذكريات مؤلمة، وضغط نفسي متراكم. ورغم تلقيه علاجًا نفسيًا خاصًا، فإنه لم يحصل على اعتراف رسمي من وزارة الدفاع بإصابته النفسية المرتبطة بالخدمة.
إن فقدان جندي حياته نتيجة تبعات خدمته العسكرية لا يمكن اعتباره مأساة شخصية أو عائلية معزولة عن السياق العام. فالضغوط المستمرة، والتعرض المطوّل للأحداث الصادمة، والشعور الثقيل بالمسؤولية، كلها عوامل قد تؤدي إلى انهيار نفسي حاد، خصوصًا في ظل أنظمة لا تكتشف الضيق في الوقت المناسب أو لا توفر استجابة كافية. إن إنكار العلاقة بين الخدمة العسكرية وهذه النتائج يُعد ظلمًا أخلاقيًا واضحًا.
وكان من المفترض أن تعالج لجنة ألموز، برئاسة اللواء (احتياط) موتي ألموز، هذه الإشكالية، عبر تسوية مسألة الاعتراف بالجنود الذين فقدوا حياتهم أثناء خدمتهم العسكرية. غير أن ما انتهت إليه اللجنة فعليًا هو مسار خاص لجنود الاحتياط، تحت مسمى «الوفاة أثناء الخدمة»، دون اعتبارهم ضحايا رسميين للجيش.
عمليًا، يعني هذا التعريف جنازة برموز عسكرية ومرافقة شكلية للعائلة، لكن دون تسجيل رسمي كضحايا جيش، أو إدماج كامل في منظومة إحياء الذكرى، أو مساواة حقيقية في الحقوق والمكانة مع بقية عائلات الضحايا. إنها رمزية عسكرية بلا اعتراف قانوني أو أخلاقي كامل.
وضعت اللجنة خطًا فاصلًا واضحًا: حتى لو كان الانهيار النفسي ناتجًا مباشرة عن خدمة عسكرية طويلة ومثبتة، فإن ذلك لا يُعد تقصيرًا عسكريًا يستوجب الاعتراف الكامل. هذه المقاربة تحمل تناقضًا جوهريًا؛ فهي تقر بوجود الصلة، لكنها ترفض الاعتراف بآثارها الكاملة. فالأوسمة والرموز لا تعوض الاعتراف بالمسؤولية، ولا تشكل بديلًا عن العدالة.
المفارقة الصارخة أن الجندي الذي يتوفى متأثرًا بجراحه بعد أشهر أو سنوات من حادثة عسكرية يُعترف به كضحية للجيش، بينما يُحرم الجندي الذي أنهكته الخدمة الطويلة والصدمة النفسية من الاعتراف ذاته. في حين أن الإصابات النفسية، مثل الاكتئاب واضطرابات ما بعد الصدمة، معروفة طبيًا كأحد أخطر آثار الحروب، وقد تكون أحيانًا أشد فتكًا من الجراح الجسدية.
تُصرّ اللجنة أيضًا على وجود علاقة سببية مباشرة ومحددة زمنيًا، مع اشتراط الاعتراف بالإصابة النفسية خلال فترة لا تتجاوز سنتين من انتهاء الخدمة، وهو شرط لا ينسجم مع طبيعة الإصابات النفسية التي غالبًا ما تكون تراكمية وصامتة. هذا الإطار الضيق يحوّل كثيرًا من الحالات إلى إصابات «غير مرئية»، ويجعل الاعتراف بها استثناءً لا قاعدة.
في المحصلة، ليست هذه مجرد قضية قانونية أو إدارية، بل اختبار أخلاقي للدولة. فالدولة التي تطلب من جنودها بذل أقصى ما لديهم، مطالَبة بأن تتحمل الثمن بوعي كامل، وأن تعترف بأن الإصابة النفسية، تمامًا كالجسدية، هي نتيجة مباشرة للخدمة العسكرية، وتستحق الاعتراف والمسؤولية، لا الهروب والتأجيل.
في التحليل النهائي، تصرفت اللجنة، التي ضمت خبراء ومختصين (حسني النية بلا شك)، وفقًا لمفاهيم راسخة، لكنها طبقتها على واقع حرب مستمرة. ففي ظل تجربة الخدمة الاحتياطية المتواصلة لمئات الأيام، والتعرض الدائم للخسارة والخطر، والعودة إلى الحياة المدنية دون فترة نقاهة حقيقية، يصبح الانهيار النفسي أمرًا متوقعًا، بل ومحتملًا. إن السياسة التي لا تُحدَّث بما يتناسب مع الواقع هي سياسة فاشلة.
إن مأساة جوش بون ليست حالة معزولة، فقد سبقتها مآسي الرائد (احتياط) آساف داغان ، والرائد (احتياط) روي واسرشتاين ، وآخرين، ممن انتحروا خلال العامين الماضيين بسبب الخدمة العسكرية وتداعياتها. وفي هذه الحالات أيضاً، قالت الدولة للعائلات: “نُقرّ بأن الخدمة كانت ضارة، لكننا نتجاهل الاستنتاج الواضح”. إن الاعتراف الجزئي ليس حلاً، بل هو تهرب. وهو يبعث برسالة خطيرة وواضحة للجنود العاملين: إذا تعرضتم لأذى جسدي، ستدعمكم الدولة. أما إذا انهارتم نفسياً، فقد تُتركون خارج نطاق الحماية.
