د.نادي شلقامي
لم يكن مجرد قارئ مرّ على تاريخ التلاوة المصرية، بل كان ظاهرة روحية فريدة، صوتاً يُشبه ترتيل الملائكة في محراب الخلوة. محمد صديق المنشاوي، ذلك الصوت الشجيّ الباكي الذي استطاع أن يلمس شغاف القلوب دون استئذان، رحل بجسده وبقي ترتيله “أمنًا” لكل خائف و”سكينة” لكل مضطرب. في ذكرى ميلاده، نستحضر سيرة الرجل الذي قرأ القرآن بقلبه قبل حنجرته، فاستحق أن يُلقب بـ “القارئ الباكي”.
أولاً…. الميلاد والنشأة (بيت القرآن)
ولد الشيخ محمد صديق المنشاوي في 20 يناير عام 1920 بمدينة المنشأة التابعة لمحافظة سوهاج في صعيد مصر. نشأ في أسرة قرآنية عريقة ضاربة بجذورها في أعماق التلاوة:
— والده: الشيخ صديق المنشاوي، أحد أعلام القراءة في عصره.
— شقيقه: الشيخ محمود صديق المنشاوي، القارئ الشهير أيضاً.
هذه البيئة جعلت الطفل محمد يتنفس القرآن منذ صرخته الأولى، حيث كانت الدار لا تخلو من آيات الذكر الحكيم آناء الليل وأطراف النهار.
ثانياً….رحلة حفظ القرآن (الإتقان المبكر)
بدأ محمد الصغير رحلته مع الكتاب في سن مبكرة جداً:
— أتم حفظ القرآن الكريم كاملاً وهو في سن الثامنة من عمره.
— انتقل إلى القاهرة مع عمه ليتلقى علوم القرآن والقراءات على يد كبار المشايخ.
— ظهرت موهبته الفذة ونبرة صوته الحزينة والمميزة منذ صباه، مما جعله محط أنظار الجميع في قريته ومدينته قبل أن يعرفه العالم.
ثالثاً…. مرحلة الشباب والصعود للقمة
في ريعان شبابه، بدأ صيت “المنشاوي الصغير” يذيع في أرجاء الصعيد ثم مصر كافة:
— تميز بأسلوب “السليم” وهو أداء يجمع بين قوة الأحكام وعذوبة الصوت.
— رفض في البداية التقدم للإذاعة قائلاً: “أنا لا أحتاج لشهرة الإذاعة”، حتى ذهبت إليه لجنة الإذاعة خصيصاً في إحدى سهراته وسجلت له، ليكون أول قارئ تذهب إليه الإذاعة بدلاً من أن يذهب هو إليها.
— اعتمد قارئاً في الإذاعة المصرية عام 1954، ومن هنا انطلقت الحنجرة الذهبية لتجوب العالم.
رابعاً…المنصات التي تذيع صوته
رغم مرور عقود على وفاته، لا يزال صوت المنشاوي هو “الأكثر استماعاً” وتأثيراً عبر:
— إذاعة القرآن الكريم (القاهرة): التي تخصص له فقرات ثابتة يومياً (الختمة المجودة والمرتلة).
— القنوات الفضائية الدينية: مثل قناة “المجد” للقرآن الكريم وقناة “مصر القرآن الكريم”.
— منصات التواصل واليوتيوب: حيث تحصد تلاواته ملايين المشاهدات، خاصة “سورة يوسف” و”الحشر”.
— تطبيقات الهواتف الذكية: لا يخلو تطبيق قرآني من “المصحف المرتل” للمنشاوي، الذي يُعد المرجع الأول لتعلم أحكام التجويد والخشوع.
خامساً…. تكريمه (وسام القلوب)
نال الشيخ المنشاوي تكريمات رسمية وشعبية واسعة:
— منحه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر “وسام الاستحقاق”.
— كُرم من دول عديدة مثل إندونيسيا، سوريا، ليبيا، وباكستان.
— التكريم الأهم هو “حب الملايين”؛ فلقد أطلق عليه لقب “القيثارة الباكية” و**”صوت البكاء”** تقديراً لصدق إحساسه.
سادساً…. الوفاة (النهاية الحزينة)
في قمة عطائه، أصيب الشيخ بمرض “دوالي المريء”. ورغم شدة المرض، لم يتوقف عن القراءة حتى اللحظات الأخيرة.
— انتقل إلى جوار ربه في 20 يونيو 1969 عن عمر يناهز 49 عاماً فقط.
— رحل وهو في ريعان شبابه، لكنه ترك إرثاً من التسجيلات يكفي لأجيال وأجيال.
وختاما…تكمن أهمية مدرسة المنشاوي في أنها لم تكن تبحث عن “التطريب” بقدر ما كانت تبحث عن “التدبر”. إننا في ذكرى ميلاده، لا نحتفل بمجرد قارئ موهوب، بل نحتفل برجل جعل من صوته جسراً يربط الأرض بالسماء، ومن حنجرته مرآة تعكس عظمة الخالق. سيبقى المنشاوي حياً في كل سجدة خاشعة، وفي كل دمعة تسقط من عين مؤمن سمع آيات الله بصوته، فاهتز لها قلبه.
