د/ فاطمة صادق عيسى – استشاري الصحة النفسية والإرشاد
قد يبدو العنوان صادمًا، لكنه واقع يجب الإعتراف به قبل أن يتحوّل إلى كارثة يصعُب إصلاحها،
فداخل كل منزل، مهما بلغت درجة الوعي أو التحصين، قد يوجد طفل يحمل سلوكيات تحرشية لا يدرك الأهل خطورتها، ولا ينتبهون إلى أنها قد تكون مؤشرًا مبكرًا لمشكلة نفسية أو اجتماعية تحتاج إلى تدخل سريع وحكيم.
إن الطفل لا يولد متحرشًا، ولا يمتلك بطبيعته نزعات مؤذية، بل تنشأ مثل هذه السلوكيات نتيجة عوامل متعددة تؤثر في تكوينه النفسي والمعرفي، وقد يجهل الأهل أن المنزل ذاته قد يكون البيئة التي زَرَعت بذور هذا الخلل.
أولًا
قد يتعرض الطفل لضغط نفسي شديد داخل الأسرة سواء في صورة قسوة زائدة أو عقاب متكرر أو مقارنة مستمرة مع الآخرين.
هذا النوع من الضغوط يدفع بعض الأطفال إلى البحث عن متنفس يعوض شعورهم بالعجز أو فقدان السيطرة، فيلجؤون إلى سلوكيات خاطئة، منها التحرش، باعتبارها وسيلة بديلة لإثبات الذات أو الشعور بالقوة.
ثانيًا
قد يعاني الطفل من الحرمان العاطفي أو نقص الإحتواء الأسري. فعندما يعيش الطفل في بيئة تفتقر إلى الحنان والتواصل الصحي، يصبح أكثر عرضة لتبني سلوكيات غير سوية في محاولة لسد هذا النقص بطرق مشوهة. وقد يكتسب بعض الأطفال سلوكيات تحرشية من خلال التعرض لمشاهد غير مناسبة عبر الإنترنت أو التقليد غير الواعي لما يشاهدونه.
وفي تفسير علم النفس لهذه الظاهرة، يشير المختصون إلى أن السلوك المتحرش لدى الأطفال غالبًا ما يرتبط بعوامل نمائية ومعرفية غير ناضجة، حيث يخلط الطفل بين الفضول الطبيعي وبين تجاوز الحدود. وعندما يغيب دور التوجيه والرقابة ويتعرض الطفل لضغوط أو صدمات نفسية أو يشهد عنفًا منزليًا، فقد يحوّل هذه المشاعر إلى سلوكيات موجهة نحو الآخرين. كما يرى علم النفس أن الطفل قد يعيد إنتاج ما تعرض له أو ما شاهده من سلوكيات دون فهم لمعناها أو نتائجها، وتصبح المشكلة أكثر تعقيدًا مع مرور الوقت إن لم يُتدارك الأمر مبكرًا.
إن مواجهة هذه المشكلة تبدأ بالوعي. فالمطلوب من الأسر أن تنتبه لأي سلوك غير مألوف لدى أبنائها، وأن تتحلى بالشجاعة في مواجهة الحقيقة بدلًا من الإنكار. كما ينبغي احتواء الطفل، وتقديم التوجيه التربوي السليم، وطلب مساعدة المتخصصين عند الضرورة. فالعلاج النفسي والتقويم السلوكي في سن صغيرة قادران على إيقاف تطور المشكلة ومنع تحولها إلى سلوك دائم في المستقبل.
وفي النهاية، الإعتراف بوجود المشكلة لا ينتقص من قيمة الأسرة، بل يدل على نضجها ومسؤوليتها. فالأطفال ليسوا آثمِين، بل هم مرآة لما يمرون به، ومن واجبنا كأهالٍ أن نفهم هذه المرآة ونصلح ما انعكس عليها قبل أن يتفاقم. فوجود طفل متحرش في أي بيت ليس نهاية المطاف، بل بداية لرحلة إصلاح يمكن أن تُنقذ طفلًا وتُحصّن مستقبلًا كاملًا.
