بقلم د.نادي شلقامي
إن الطفولة هي المرحلة الأثمن في بناء أي مجتمع، وهي المرحلة التي يجب أن تُحاط بسياج من الأمن والرعاية المطلقة. ومع الأسف، يبقى التحرش الجنسي بالأطفال جرحاً غائراً يهدد براءة هذه المرحلة ويُحوّل الأمان إلى خوف، والثقة إلى عزلة. يهدف هذا التقرير إلى دق ناقوس الخطر والتحذير من الأثر النفسي السلبي والمدمر الذي يتركه هذا الانتهاك على الأطفال، مع تحديد أدوار واضحة ومسؤوليات محددة تقع على عاتق كل من الأسرة، والمؤسسات التعليمية، والجهات الرقابية الوزارية، لضمان بناء بيئة آمنة وداعمة لأطفالنا.
أولاً: .. الأثر النفسي السئ والمدمر للتحرش الجنسي على الطفل في الأعمار الصغيرة
التعرض للتحرش يترك ندوباً نفسية عميقة تتطلب تدخلاً متخصصاً وقد تستمر لسنوات:
1- فقدان الشعور بالأمان والثقة:
1-1- يشعر الطفل بأن العالم المحيط به مكان خطر وغير موثوق.
1-2- يفقد الثقة في البالغين بشكل عام، وخاصة الشخص الذي خان ثقته.
2- الذنب والخجل والعزلة:
2-1- يعتقد الطفل غالباً أنه المذنب أو المسؤول عما حدث له.
2-2- يؤدي به هذا الشعور إلى العزلة ومحاولة إخفاء الأمر، مما يزيد من معاناته الداخلية.
3- اضطرابات نفسية وسلوكية حادة:
3-1- اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD): يعاني من كوابيس متكررة، واستعادة مؤلمة للذكريات، وخوف دائم.
3-2- تغيرات سلوكية: قد تظهر على شكل عدوانية مفرطة، نوبات غضب غير مبررة، أو على النقيض: انسحاب واكتئاب وصمت.
4- مشاكل جسدية ونفسجسمية:
4-1- ظهور آلام جسدية مزمنة غير مبررة طبياً.
4-2- اضطرابات في النوم (أرق أو خوف من النوم) والأكل.
4-3- تبول لا إرادي أو نكوص إلى سلوكيات سابقة.
5- تأثيرات طويلة الأمد:
5-1- صعوبة بالغة في تكوين علاقات صحية وآمنة في مرحلة المراهقة والبلوغ.
5-2- تدني احترام الذات وصورة مشوهة للجسد.
ثانياً: .. دور رقابة الأسرة (الوقاية والتثقيف)
الأسرة هي خط الدفاع الأول في توفير الحماية الجسدية والنفسية:
1- تعليم الحدود الجسدية…
(Body Safety Rules):
1-1- يجب تعليم الطفل أن جسده ملك له ولا يحق لأحد لمسه أو رؤيته في مناطق ملابسه الداخلية (المناطق الخاصة).
1-2- تعليمهم قاعدة “لا، اذهب، قل” (No-Go-Tell): قول “لا” للشخص، والابتعاد عنه، وإخبار الوالدين فوراً.
2- بناء الثقة والتواصل المفتوح:
2-1- توفير بيئة يشعر فيها الطفل بالأمان المطلق للتعبير عن أي شيء دون خوف من التوبيخ.
2-2- مراقبة التغيرات المفاجئة في سلوك الطفل، مزاجه، أو عاداته اليومية، فهي غالباً ما تكون جرس إنذار.
3- المراقبة الواعية للمحيطين:
3-1- توخي الحذر والحد من وجود الطفل بمفرده مع أي شخص بالغ لفترات طويلة دون إشراف (حتى لو كان من الأقارب).
3-2- التحقق من خلفية أي شخص جديد يدخل محيط الطفل (جليسة، سائق، معلم خاص).
ثالثاً: .. الكيفية التي نختار بها المدرسة…ودور المراقبة الأسرية عليها
تتطلب البيئة المدرسية الآمنة اختياراً دقيقاً ومتابعة مستمرة:
1- معايير اختيار المدرسة الآمنة:
1-1- سياسات الحماية:
السؤال بشكل مباشر عن سياسات المدرسة تجاه سوء معاملة الأطفال وبروتوكولات الإبلاغ عن التحرش.
1-2- فحص الموظفين:
التأكد من أن المدرسة تُطبّق إجراءات صارمة للتحقق من السجل الجنائي والسلوكي (Background Check) لجميع العاملين، بمن فيهم الإداريون وعمال النظافة والسائقون.
1-3- الإشراف:
التأكد من وجود إشراف كافٍ ومستمر على الأطفال في الممرات، ودورات المياه، والملاعب، والحافلات.
2- دور الأسرة في المراقبة داخل المحيط المدرسي:
2-1- تشجيع الطفل على التحدث عن يومه بالتفصيل وعن تفاعله مع المعلمين والبالغين في المدرسة.
2-2- التعامل بجدية مع أي تبرير أو رفض غير معهود للذهاب إلى المدرسة أو الابتعاد عن شخص معين فيها.
رابعاً: دور الوزارة ….
في الرقابة على المدارس وإدارتها
يجب على الجهات الحكومية المشرفة (وزارة التربية أو التعليم) فرض سياسات واضحة لضمان الحماية:
1- وضع وتطبيق المعايير الإلزامية:
1-1- إلزام جميع المدارس بوضع وتطبيق مدونة سلوك واضحة لحماية الطفل تتضمن عقوبات فورية ومشددة.
1-2- فرض تدريب إلزامي ومستمر على جميع العاملين بالمؤسسات التعليمية حول التعرف على علامات التحرش وكيفية الإبلاغ السري والمهني.
2- آليات الرقابة والتفتيش الفعّالة:
2-1- إجراء زيارات تفتيشية مفاجئة وغير معلنة للتحقق من تطبيق المدارس لمعايير الأمن والسلامة النفسية والجسدية.
2-2- إنشاء قنوات إبلاغ آمنة ومستقلة (مثل الخطوط الساخنة) تتيح لأولياء الأمور والموظفين الإبلاغ عن الانتهاكات مباشرة إلى الوزارة دون المرور بإدارة المدرسة.
3- التعاون مع جهات إنفاذ القانون:
— وضع بروتوكولات لضمان الإحالة الفورية للحالات المشتبه بها إلى الجهات الأمنية والقضائية لضمان المساءلة والحماية القانونية للطفل.
إن المسؤولية في حماية أطفالنا من التحرش الجنسي هي مسؤولية وطنية وأخلاقية مشتركة لا تحتمل التأجيل أو التراخي. لقد أظهر التقرير أن الأثر النفسي لهذه الجريمة هو أثر مزلزل يهدد مستقبل الطفل بأكمله. لذلك، يجب على الأسرة أن تكون الحصن الأول عبر التوعية وبناء جسور الثقة، وعلى المدارس أن تكون بيئة آمنة عبر التزامها بمعايير صارمة، وعلى الوزارات أن تفرض رقابة لا تتهاون. نُوصي بالتحرك الفوري لتطبيق سياسات حماية الطفل، وتكثيف برامج التدريب والتوعية، وفتح قنوات إبلاغ آمنة. إن الاستثمار في حماية الطفل اليوم هو الاستثمار الأهم في مستقبل أمتنا.
