كتبت: سالي جابر – أخصائية نفسية
هل تساءلنا يومًا لماذا يبكي بعض الأطفال من صوت المكنسة الكهربائية؟
ولماذا يرفض آخرون لمس الملابس الجديدة؟
ولماذا يبدو طفل معين “عنيدًا” بينما هو في الحقيقة يهرب من ألم لا نراه؟
هنا يظهر مفهوم حساسيّة الحواس؛ ذلك العالم الخفي الذي يفسّر الكثير من السلوكيات التي نعتبرها “مشكلات” بينما هي في الأصل استجابة جهاز عصبي مُرهَق أو غير مُحفَّز بما يكفي.
ما هي حساسيّة الحواس؟
هي حالة يُبالغ فيها الجهاز العصبي — زيادة أو نقصًا — في استقبال المعلومات الحسيّة القادمة من الحواس الخمس، إضافة إلى حواس التوازن والوعي بالجسد.
النتيجة؟
طفل أو شخص يرى العالم أعلى مما يجب، أو أقل مما يجب،
وتُعد حساسيّة الحواس جزءًا مما يُعرف بـ اضطراب المعالجة الحسيّة (Sensory Processing Disorder)، وهي ليست مرضًا نفسيًا، بل طريقة مختلفة يعالج بها الدماغُ المعلومات.
– أنواع حساسيّة الحواس:
أولًا: زيادة الحساسيّة (Hypersensitivity)
الطفل هنا يشعر بالمثيرات بقوة مُبالغ فيها. الأصوات مؤلمة، اللمس مزعج، الروائح خانقة.
أمثلة:
– يضع يديه على أذنيه عند أي صوت عالي.
– يرفض أنواعًا من الأقمشة أو الملابس.
– ينزعج من الإضاءة القوية.
– يتجنب الأماكن المزدحمة.
ثانيًا: نقص الحساسيّة (Hyposensitivity)
الجهاز العصبي لا يتلقّى ما يكفي من المعلومات؛ فيسعى الطفل لتعويضها.
أمثلة:
– حركة زائدة، قفز مستمر، جري بلا توقف.
– الضغط بقوة أثناء اللعب أو العناق.
– عدم الاستجابة السريعة عند مناداته.
– وضع الأشياء في الفم بحثًا عن التحفيز.
كيف تؤثر حساسيّة الحواس على السلوك؟
الكثير من السلوكيات التي نصفها بـ”العناد” أو “فرط الحركة” أو “الرفض” ليست إلا محاولات من الطفل للهرب من عبء حسّي أو البحث عن تحفيز يناسبه.
فالطفل الذي يبكي من الصوت العالي… ليس مدلّلًا.
والذي يرفض قصّ الأظافر… ليس عنيدًا، والذي يقفز باستمرار… لا يفتعل الفوضى.
إنه فقط يتعامل مع عالم لا يشعر به كما نشعر نحن.
– العامل النفسي: عندما تتعب الحواس، تتعب المشاعر
الحسّاسية الزائدة تُرهق الجهاز العصبي… فتترك أثرًا نفسيًا:
(توتر، قلق، رفض اجتماعي، نوبات غضب، انسحاب من المواقف، ضعف تركيز، انخفاض الدافعية للتعلم)
أما نقص الحساسيّة فيؤدي إلى:
(ملل سريع، بحث دائم عن الحركة، صعوبة الجلوس، تشتت الانتباه، سلوكيات اندفاعية).
– العلاقة بين الصحة الحسيّة والصحة النفسية وثيقة جدًا؛ فالطفل الذي لا يشعر بالأمان الحسي لا يستطيع
أن يهدأ، وبالتالي لا يستطيع أن يتعلّم أو يتواصل بفعالية.
يقول عالم الأعصاب أوليفر ساكس:
“عقولنا لا ترى العالم كما هو، بل كما تستقبله حواسّنا.”
ويقول الطبيب النفسي جان آيرز – رائدة التكامل الحسي: “السلوك ليس المشكلة… بل ردّة الفعل العصبية التي تسبق السلوك” .
بينما يقول الفيلسوف وليم جيمس: “الانتباه هو البوابة الأولى للفهم”.
والطفل ذو الحساسيّة الحسيّة… بوابته تُفتح أو تُغلق بطريقة مختلفة.
كيفية المساعدة: خطوات عملية للأهل والمعلمين
1- ملاحظة الطفل بدقة…راقبي:
– ماذا يزعجه؟
– ماذا يبحث عنه؟
– متى يحدث السلوك؟
هذه النقاط هي أساس التشخيص السليم.
2- تهيئة البيئة:
– إضاءة هادئة
– تقليل الأصوات المفاجئة
– ملابس قطنية
-تجنّب العطور القوية
– ركن مريح لتهدئة الحواس
3- إنشاء “ركن حسّي”
ركن بسيط يحتوي على:
كرسي هزاز، معجون، رمل، كرة صغيرة، بطانية وزنها ثقيل، إضاءة خافتة.
هذا الركن ينقذ الطفل من الانهيار ويُعيد له توازنه.
4- استخدام الحمية الحسية (Sensory Diet):
وهي مجموعة أنشطة يومية يحددها أخصائي تكامل حسي؛ مثل:
– الضغط العميق
– القفز المنتظم
– التدليك
– اللعب بالماء والرمل.
– تمارين التوازن
5- تعليم الطفل التعبير عن نفسه:
جمل بسيطة مثل:
-الصوت عالي عليا.
– الضو قوي.
– مش بحب الملمس ده.
6- التعاون مع أخصائي:
للتقييم وتحديد نوع الحساسيّة ووضع خطة علاج مناسبة.
لماذا يجب أن نهتم؟
لأن الطفل الذي تُفهَم حواسّه… تُفهَم مشاعره.
والطفل الذي يُسمَع صراخه الهادئ… يقلّ صراخه العالي.
عندما نعالج الحساسية الحسية، نحن في الحقيقة نعالج:
-القلق
-السلوكيات الصعبة
– مشاكل النوم
– ضعف التركيز
– الانسحاب الاجتماعي
– تأخر الكلام أحيانًا
إن حساسيّة الحواس ليست مشكلة… بل لغة.
لغة يحاول الطفل أن يخبرنا بها أن عالمه مختلف قليلًا عن عالمنا.
وأن ما يبدو لنا “مبالغة” هو
بالنسبة له “حقيقة”.
وعندما نستمع لهذه اللغة، نعيد للطفل اتزانه، ثقته، وهدوءه الداخلي.
فالرحلة تبدأ من الحواس… وتنتهي إلى القلب.
