بقلم: بسمة خالد .. أخصائي الصحة النفسية والإرشاد الأسري
أحيانًا لا يتحدث الألم بالكلمات، وإنما بالوجع.
قد تصحو في الصباح بجسدٍ متعب رغم أنك نمت جيدًا، أو تشعر بانقباضٍ في صدرك كلما واجهت موقفًا يشبه جرحًا قديمًا. هنا لا يكون الجسد مريضًا، وإنما متذكّرًا.
اللاوعي الجسدي هو ذلك الجزء الخفي من ذاكرتنا الذي يسكن في خلايانا، ويحمل ما لم نواجهه بعد من مشاعر وأحداث. هو مساحة داخلنا تخزن الخوف والغضب والخذلان، ثم تُخرجها بشكلٍ آخر: صداع متكرر، توتر في العضلات، أو ثقل غامض في القلب.
العقل قد يقنع نفسه بالنسيان، في حين أن الجسد لا ينسى. كل تجربة مؤلمة لم تجد طريقها إلى التعبير أو الفهم، يلتقطها الجسد ويحتفظ بها كأثرٍ صامت. ولهذا كثيرًا ما يظهر الألم الجسدي عندما نعيش ضغوطًا نفسية تشبه ماضيًا لم نُشفَ منه بعد.
في العلاج النفسي يُلاحظ أن بعض المرضى حين يبدأون في التحدث عن مشاعرهم القديمة، تختفي بعض أعراضهم الجسدية تدريجيًا، وكأن الجسد أخيرًا وجد من يفهم لغته.
فالتوتر في الكتفين، وضيق التنفس، واضطرابات المعدة… ليست مجرد أعراض عضوية، وإنما رسائل من اللاوعي الجسدي تطلب منا الإصغاء. فكل شعور لم يُعبَّر عنه بالكلمات، يختار الجسد أن يعبّر عنه بطريقته الخاصة.
أن نصغي إلى أجسادنا لا يعني أن نستسلم للألم، لكن أن نفهمه. أن نتوقف لحظة ونسأل أنفسنا: “ماذا يريد جسدي أن يقول لي الآن؟”
التأمل، والتنفس الواعي، والمشي الهادئ في الطبيعة ليست مجرد أنشطة مريحة؛ إنها مفاتيح للدخول إلى أعماق الجسد. حين نمارسها بانتظام، نصبح أكثر قدرة على ملاحظة التغيرات الدقيقة في إحساسنا الجسدي والعاطفي، فنبدأ تدريجيًا في إعادة التوازن بين العقل والنفس والجسد.
فالجسد لا يعادينا، إنما يحاول حمايتنا. كل وجعٍ فيه رسالة، وكل توترٍ حكاية مؤجلة تنتظر أن تُسمع.
العلاقات الإنسانية تترك بصمتها في أجسادنا قبل وعينا. فالحب قد يجعل ضربات القلب أسرع، والفقد قد يُثقل الصدر وكأن النفس تضيق بالحنين، حتى الخلافات العاطفية تُترجمها الأجساد بتشنّجٍ، أو تعبٍ، أو شعورٍ غامض بعدم الارتياح.
حين نتعلم الإصغاء لهذه العلامات، نكتشف أن الجسد لا يكذب أبدًا، وإنما يخبرنا بما لا نجرؤ على الاعتراف به. إنه مرآة دقيقة لما نشعر به في أعماقنا، وصديق صامت لا يتوقف عن تنبيهنا إلى ما يحتاج إلى شفاء في
الحب، كما في الحياة.
