كتبت/نجده محمد رضا
الموقع الذي توقّف فيه الزمن
في قلب شمال أوكرانيا، يقف صرح تشيرنوبيل كأعظم شاهدٍ على لحظة انهار فيها العقل البشري أمام خطأ تقني قاتل. هنا، في المنطقة المحظورة التي تمتد عشرات الكيلومترات، تتجسد “مقبرة تشيرنوبيل” ذلك المكان الذي دفن تحت ترابه الحديدي بقايا أكبر كارثة نووية عرفها الإنسان عام 1986.
أيدٍ من حجر تحمل جرس الخطر
يستقبل الزائر تمثالًا شامخًا ليدين مرفوعتين تحتضنان رمز الطاقة الممزقة، في مشهد يجسد انهيار مفاعل رقم 4.
هذا التمثال ليس مجرد فن، بل نصب تذكاري لرجال الإطفاء والمهندسين الذين اندفعوا نحو اللهب دفاعًا عن العالم، رغم علمهم بأن الإشعاع يقتلهم خلال دقائق.
خلف التمثال تظهر القبة الفولاذية الضخمة التي تغطي المفاعل المنفجر، وقد بُنيت لتحتوي المواد المشعة وتمتدّ بحماية تمتدّ لمئة عام قادمة.
كيف تحوّل الموقع إلى “مقبرة”؟
أطلق العالم على المكان اسم “المقبرة النووية” لأنه يضم
بقايا الآلات والدبابات التي شاركت في السيطرة على الانفجار.
معدات ملوّثة تم دفنها في تربة مشعة لا تصلح للحياة.
مئات المباني المعطوبة في مدينة بريبيات المهجورة.
آلاف الأطنان من الوقود النووي المنصهر المُحتجز تحت القبة.
إنه المكان الذي لا يسمح للبشر بالعودة إليه إلا لساعات محدودة بسبب معدلات الإشعاع التي لا تزال مرتفعة حتى الآن.
1986… ليلة الانفجار الذي هزّ العالم
بدأت الكارثة بتجربة خاطئة داخل المفاعل رقم 4، فانفجر السقف واشتعلت الحرائق لقرابة عشرة أيام، متسببة في:
انتشار إشعاع أخطر بـ 400 مرة من قنبلة هيروشيما.
تسمم هواء أوكرانيا وبيلاروسيا وروسيا.
تساقط غبار ذري على أوروبا كاملة.
إصابة الآلاف بأمراض سرطانية وتشوهات وراثية.
ورغم التعتيم السياسي آنذاك، كشفت السنوات أنّ ضحايا الكارثة يفوقون عشرات الآلاف.
بريبيات… مدينة أشباح عمرها 39 عامًا
على بعد كيلومترات قليلة، تتمدد مدينة بريبيات المهجورة التي كانت تعج بالحياة والسكان قبل دقائق من الانفجار. اليوم، لم يبق فيها سوى:
مراجيح صامتة في ملاهٍ لم تُفتتح أبدًا.
فصول دراسية ترك فيها الأطفال كتبهم على الطاولات وهربوا.
شقق ما زالت نوافذها مفتوحة منذ ليل 1986.
مبانٍ يقضمها الزمن وتحتلّها النباتات الوحشية.
عاد الحيوان إلى المكان… لكن الإنسان لم يعد.
قبة القرن… محاولة لإنقاذ المستقبل
في 2016، تم تركيب قبة فولاذية تُعد أكبر منشأة متحركة في التاريخ، وظيفتها:
احتواء الوقود النووي المنصهر.
منع التسرب الإشعاعي.
تأمين الموقع لعقود قادمة.
كل هذا يضع تشيرنوبيل ضمن أهم مشاريع الهندسة الوقائية في العالم.
درسٌ قاسٍ للبشرية
تحولت مقبرة تشيرنوبيل اليوم إلى رمز عالمي يذكّر بأن التكنولوجيا، مهما تقدمت، قد تتحول إلى سلاح ضد الإنسان إذا افتقدت الحذر
إنه درس في خطورة الطاقة النووية دون رقابة
قوة التضحية البشرية في مواجهة الموت
هشاشة العالم أمام خطأ واحد
تشيرنوبيل ليست مجرد مكان إنها جرح مفتوح في ذاكرة البشرية مقبرةٌ لا تُدفن، وصمتٌ يعلو فوق كل الأصوا
ت، ورسالة تحذير للأجيال القادمة بأن خطأً واحدًا قد يغيّر مصير العالم كله.
