بقلم السيد عيد
لم أكتب يومًا عن مخلوقٍ لا يتكلّم، لكنني سأكتب الآن عن قلبٍ لو امتلك القدرة على النطق لكان شعرًا خالصًا لا يشيخ. هذه حكاية ليست عن كلب فحسب، بل عن وفاءٍ يمدّ روحه في الطريق ويُقيم عند العتبة كصلاةٍ لا تنقطع.
اسمه “رعد”؛ كلبًا مهيب الحضور، في عينيه لمعان يشبه ومضة برقٍ تولد من رحم الغيم. لم يكن في بيتي مجرد رفيق، بل كان يقينًا صغيرًا على أربعة أقدام عندما اشتريته، يرمّم القلب حين يتعب، ويضع رأسه قرب قدميّ كأنه يقول إن الطمأنينة قد تُولد أحيانًا من جسدٍ صغير وصمتٍ كبير.
في صباحٍ بارد، تركته عند العتبة كعادتي، وربتُّ على رأسه قبل أن أغادر، فأغلق عينيه كمن يخزّن اللمسة في صدره ليحيا بها يومه كله. ومضيتُ إلى عملي غير عالمٍ أن هذا اليوم سيختبر حكايتي معه.
تأخرتُ طويلًا. كانت الطرق ثقيلة، والضباب يهبط على المدينة كستارة من صمتٍ مبلّل. وحين عدت آخر الليل، وجدته هناك… يقف في مكانه، يلتحف البرد ولا يترك العتبة. لم يهرع إليّ كما يفعل كل مساء، بل ظلّ ثابتًا، كأنه يخشى أن تكون الخطوات القادمة مجرد صدى ليعود لبيته. اقتربتُ منه، فرفع رأسه ببطء، ونظر إليّ نظرةً تحمل عتابًا رقيقًا، عتابًا محشوًّا بالحب. ثم وضع أنفه في كفّي، يدفعها برفق، كأنه يكتب على جلدي جملة واحدة: كنتُ هنا… وما زلت.
جلست إلى جواره رغم البلل الذي يكسو الأرض. أحطته بذراعي، فتنفّس بعمق وارتخى على صدري كطفلٍ انتهى خوفه في لحظة. ولفّ ذيله حول قدميّ، حركة بسيطة… لكنها أكبر من كل الكلام الذي قيل لي في حياتي.
ولمّا نظرتُ إليه، أدركت حقيقة لا تشرحها الكتب: أن هناك قلوبًا خُلقت لتكون ملاذًا، لا صوت لها، لكن حضورها وحده يكفي ليعيد ترتيب العالم داخل الإنسان، قلوبا تعرف معني الوفاء تشاركك حياتك لحظة وتقف بجوارك تساندك .
وفاء الكلب ليس حكاية… إنه درس لا يدرِّسه إلا مخلوق يعرف الصدق بالفطرة، ويحبّك بما يتجاوز حدود الكلام.
