بقلم : جمال حشاد
يشهد سوق العمل العالمي في عام ٢٠٢٥ تغيرات متسارعة، مدفوعة بالثورة الرقمية وتوسع استخدام الذكاء الاصطناعي والأتمتة في معظم القطاعات. وفي مصر، لم يعد الأمر مجرد توجه عالمي بعيد، بل أصبح واقعًا يفرض نفسه على المؤسسات والأفراد على حد سواء. ومع بروز فرص جديدة، تزداد الحاجة إلى تطوير مهارات قادرة على مواكبة هذا التحوّل. ولتحقيق تنافسية حقيقة في سوق العمل، يحتاج المصريون اليوم إلى مزيج من المهارات التقنية والإنسانية، إضافة إلى قدرة مستمرة على التعلّم والتكيف.
أولى المهارات المطلوبة في المستقبل هي المهارات الرقمية. فقد أصبحت التكنولوجيا حجر الأساس في التعليم، وإدارة الأعمال، والخدمات الحكومية، وقطاعات مثل الصحة والطاقة. لذا فإن الإلمام باستخدام الحاسب، وفهم أساسيات البرمجة، وإجادة التعامل مع البيانات تُعدّ ضرورات وليست رفاهية. كما أن القدرة على استيعاب تقنيات الذكاء الاصطناعي وتوظيفها في العمل—سواء لتحليل الأسواق، أو أتمتة المهام، أو تحسين الإنتاج—تُعد قيمة مضافة تمنح الموظف ميزة تنافسية واضحة مقارنة بغيره.
لكن التكنولوجيا وحدها لا تكفي؛ فهناك مهارات إنسانية تزداد أهميتها، خصوصًا تلك التي لا تستطيع الآلة القيام بها. تأتي مهارة التفكير النقدي وحل المشكلات في المقدمة، حيث يبحث أصحاب الأعمال عن أشخاص قادرين على تحليل التحديات واكتشاف الحلول المبتكرة. كذلك أصبحت مهارات التواصل—اللفظي والكتابي—أداة أساسية لضمان العمل الجماعي الفعّال وإيصال الأفكار بوضوح. أما الذكاء العاطفي فهو عنصر آخر لا يقل أهمية، إذ يسمح بالتعامل الجيد مع الزملاء والعملاء، وفهم الاختلافات الثقافية، وإدارة الضغوط المهنية.
ومن المهارات التي يُتوقع أن تشهد انتشارًا واسعًا في مصر خلال السنوات القادمة مهارات ريادة الأعمال. فمع توسع الشركات الناشئة وحلول الاقتصاد الرقمي، أصبح التفكير الريادي جزءًا من المهارات الأساسية، حتى لمن لا يرغبون في تأسيس مشاريع خاصة. فريادة الأعمال لا تعني بالضرورة إنشاء شركة، بل تشمل القدرة على الابتكار داخل المؤسسة الحالية، وتحمل المسؤولية، واتخاذ القرارات المبنية على البيانات.
على الجانب الآخر، يُعدّ التعلم مدى الحياة من الركائز الأساسية للنجاح في سوق العمل. ففي ظل التغير المستمر في الأدوات والتقنيات، لم يعد التعليم الجامعي وحده كافيًا. بل أصبح من الضروري متابعة الدورات التدريبية، وتحديث المهارات بانتظام، ومواكبة الاتجاهات الجديدة في مجالات العمل. ويُلاحظ اليوم أن العديد من الشباب المصريين بدأوا بالفعل في تبنّي ثقافة التعلّم الذاتي عبر المنصّات الرقمية، وهو ما يعزز قدرتهم على مواكبة التطوّر.
ولا يمكن تجاهل أهمية اللغات الأجنبية، وعلى رأسها الإنجليزية، كونها لغة العلم والتكنولوجيا والأعمال الدولية. فإتقان لغة ثانية يفتح أبوابًا لوظائف عالمية وفرص عمل عن بُعد، وهو اتجاه يزداد انتشارًا في مصر بفضل التطور الرقمي.
في النهاية، يمكن القول إن مهارات المستقبل ليست مجرد قائمة ثابتة، بل منظومة متكاملة تتطور باستمرار. وعلى المصريين—أفرادًا ومؤسسات—تبنّي رؤية تقوم على التطوير المستمر، والانفتاح على المعارف الجديدة، والاهتمام بتعزيز المهارات الإنسانية بجانب التقنية. فالمستقبل سيكون أكثر تنافسية، لكنّه أيضًا يحمل فرصًا غير مسبوقة لمن يجهزون أنفسهم جيدًا له.
