د.نادي شلقامي
ليست أم كلثوم مجرد صوتٍ استثنائي عبر الزمن، بل كانت قيمة إنسانية ووطنية وأخلاقية تجسدت في امرأة حملت همّ وطنها وشعبها كما حملت راية الفن العربي إلى العالم.
ومع ما أُثير مؤخرًا من جدلٍ حول بعض المشاهد أو الطروحات الدرامية التي مست صورتها في أحد الأفلام، يصبح من الضروري إعادة تقديم الحقيقة كاملة، بعيدًا عن الانتقاص أو التشويه، اعتمادًا على التاريخ والشهادات والوقائع الثابتة.
فهذا التقرير ليس دفاعًا عاطفيًا، بل توثيقٌ موضوعي لسيرة امرأة عاشت للعطاء قبل المجد، وللإنسان قبل الشهرة.
أولًا…. النشأة وبدايات التواضع
وُلدت أم كلثوم إبراهيم البلتاجي عام 1898 في قرية طماي الزهايرة بمحافظة الدقهلية، في بيتٍ بسيطٍ متدين.
نشأت على قيم القناعة والاحترام والعمل، وكانت تحفظ القرآن الكريم، وهو ما انعكس لاحقًا على لغتها وأدائها وانضباطها الأخلاقي.
هذه النشأة الريفية المتواضعة صنعت شخصية تعرف قيمة اللقمة، وتشعر بألم الفقير، ولا تنسى أصلها مهما بلغت من مجد.
ثانيًا….كرم أم كلثوم الإنساني (الوجه الذي غُيّب عمدًا)
1. دعم الفقراء والمحتاجين
1-1-كانت تخصص جزءًا ثابتًا من دخل حفلاتها لمساعدة الفقراء دون إعلان.
1-2- تكفلت بعلاج عشرات الحالات المرضية سرًا، خاصة من الوسط الفني.
1-3- دعمت أسرًا كاملة في قريتها وفي القاهرة، وكانت ترسل مساعدات شهرية منتظمة.
2. رعاية الفنانين والعاملين
2-1- ساعدت مطربين وملحنين في بداياتهم ماديًا ومعنويًا.
2-2- كانت تمنح العاملين في فرقتها أجورًا تفوق السائد احترامًا لجهدهم.
2-3- لم تُعرف يومًا باستغلال أو تعالٍ على من عملوا معها.
ثالثًا… أم كلثوم والوطن.. عندما يتحول الفن إلى واجب
1. بعد نكسة 1967
1-1-تبرعت بمجوهراتها الخاصة كاملة لصالح المجهود الحربي.
1-2-جابت العواصم العربية والعالمية في حفلات دعمت الجيش المصري.
1-3- جمعت ملايين الجنيهات (بمقاييس زمنها) دون أن تحتفظ بجنيه واحد.
2. صوت المعركة والصمود
–كانت حفلاتها تُذاع لتقوية الروح المعنوية، وأغنياتها أصبحت جزءًا من الذاكرة الوطنية، لا ترفًا فنيًا.
رابعًا…أخلاقها الشخصية وشهادات معاصريها
1-شهد لها كبار الأدباء مثل نجيب محفوظ وطه حسين برقيّها واحترامها.
2-وصفها الموسيقار محمد عبد الوهاب بأنها:
“امرأة تعرف قيمة نفسها ولا تؤذي أحدًا”.
3-عُرفت بالانضباط، الحياء، والاحترام الشديد للجمهور.
كل هذه الشهادات تُسقط أي محاولات لتقديم صورة سطحية أو مشوهة تخالف الواقع التاريخي.
خامسًا… عن الإساءة الفنية وحدود الدراما
الفن حر، نعم، لكن ليس من حقه تشويه الرموز الوطنية أو اقتطاع لحظات من سياقها الإنساني لتقديم صورة ناقصة أو مسيئة.
أم كلثوم ليست شخصية عابرة، بل جزء من الوجدان المصري والعربي، وأي تناول لها يجب أن يخضع للمسؤولية الثقافية والتاريخية.
وختاما…فإن أم كلثوم لم تكن أسطورة صوت فقط، بل أسطورة ضمير وعطاء.
امرأة أعطت من مالها، وصحتها، ووقتها، ووهبت مجدها لوطنها وشعبها.
وأمام أي إساءة، يبقى التاريخ هو الحكم، والحقائق هي الرد،
ويبقى اسم أم كلثوم شامخًا…
لأن العظماء لا تهزهم محاولات التشويه، بل يزيدهم الزمن خلودًا.
