بقلم : أحمد رشدي
ليست الأم كلمة عابرة في قاموس الحياة، ولا دورًا مؤقتًا ينتهي بانتهاء الطفولة، بل هي رحلة كفاح طويلة، تبدأ بالألم ولا تنتهي.
فمنذ اللحظة الأولى، تحمل الأم وجع البدايات بكل مراحله، ثم تمضي في طريق العطاء دون أن تنتظر شكرًا أو اعترافًا. الألم عندها ليس مرحلة، بل قدرٌ تقبله برضا، وتحوّله إلى طاقة حب تحيط أبناءها من كل الجهات.

تنازلت الأم عن أشياء كثيرة دون أن تلتفت خلفها. ضحّت براحتها، وأجلت طموحاتها، وأحيانًا ألغتها تمامًا،
لتصنع لأبنائها طريقًا أكثر أمانًا. سهرت حين نام الجميع، وتعبت حين استراح الآخرون، وحملت همّ الغد وهي تُمسك بيد اليوم. لم تكن الشكوى جزءًا من قاموسها، بل كان الصبر رفيقها، والتفاني أسلوب حياتها.

كبرنا، لكن الأم لم تكبر في دورها. ما زالت تسأل بالسؤال نفسه الذي لا يتوقف: هل أكلت جيدًا؟ هل نمت مرتاحًا؟ ما زال القلق يسكن قلبها إذا تأخرنا، ويثقل صدرها إن أصابنا مرض، وتتحرك بكل ما تبقى فيها من قوة لتساعد، حتى وإن كان جسدها قد أنهكه الزمن.
هي التى تعطي دون حساب، وتبذل دون شروط، وتخاف علينا أكثر مما نخاف على أنفسنا.
في صمتها حكمة، وفي نظرتها دعاء، وفي يدها حنان لا يُشبهه شيء. تحيط أبناءها بعنايتها حتى بعد أن يصبحوا آباء وأمهات، وتحتضن أحفادها بالحب نفسه، وكأن قلبها يتسع لكل الأجيال دون أن يضيق.
خوفها الزائد ليس ضعفًا، بل امتداد طبيعي لقلبٍ لم يعرف إلا العطاء.
إن من يستحق تمثالًا وتاجًا فوق الرأس حقًا هي الأم. ليس تمثالًا من حجر، ولا تاجًا من ذهب، بل تقديرًا حيًا يتجسد في البر، والاحترام، والرعاية، والكلمة الطيبة.
واجبنا نحو الأم لا يُختصر في مناسبة، ولا يُؤدى في لحظة عابرة، بل هو التزام دائم بالوفاء، وبردّ بعض الجميل الذي لا يمكن أن يُرد كاملًا.
الأم هي الجذر الذي نستند إليه، والدعاء الذي يسبق خطواتنا، والقوة الخفية التي تسندنا حين نضعف. ومع كل ما بذلته، ما زالت تمنحنا الحنان ذاته، والطيبة نفسها، والخوف الصادق علينا وعلى أبنائنا.
ستظل الأم تاجًا فوق الرأس، لا يصدأ، ولا يسقط، ولا يُعوّض، ما دامت الحياة.
