د.نادي شلقامي
في بلد يعشق كرة القدم إلى درجة الهوس، ويمتلك قاعدة جماهيرية هائلة ومواهب فطرية لا تُعد ولا تُحصى، يظل السؤال الأكبر معلقًا: لماذا لا يتحول أغلب اللاعبين المصريين إلى نجوم عالميين مستدامين؟ الإجابة تكمن في كلمة واحدة تتردد على ألسنة الخبراء والمحللين واللاعبين أنفسهم: العقلية (المنتاليتي).
العقلية ليست مجرد موهبة فنية أو لياقة بدنية، بل هي الصلابة النفسية، الانضباط الذاتي، الالتزام المهني، القدرة على التكيف مع الضغوط، والرؤية طويلة المدى. محمد صلاح نفسه غيّر جزءًا كبيرًا من هذه المعادلة، لكن الطريق لا يزال طويلًا. هذا التقرير يناقش الوجهين: النماذج الملهمة التي رفعت اسم مصر عاليًا، والسلوكيات السلبية التي أعاقت مواهب واعدة، مع خطة واقعية للارتقاء بالعقلية المصرية إلى مستوى المحترف الدولي.
أولا…الجانب الإيجابي..
(نماذج تحتذى بها في العقلية الاحترافية)
هناك لاعبون مصريون أثبتوا أن التغيير ممكن، وأن العقلية الصحيحة تحول الموهبة إلى إرث عالمي:
— محمود الخطيب : “الأسطورة” جمع بين القيادة والانضباط والروح القتالية. حتى بعد الاعتزال، ظل رمزًا للالتزام بالمبادئ، وأثبت أن العقلية القوية تبني أندية وشخصيات لا تُنسى.
— محمد أبو تريكة : “الساحر” لم يكن الأقوى بدنيًا أو الأسرع، لكنه كان نموذجًا في الالتزام، الذكاء الكروي، والاحترام داخل وخارج الملعب. رفض عروضًا مغرية ليبقى وفيًا لقيمه وللأهلي، وأصبح رمزًا للإخلاص والانضباط.
— محمد صلاح : الأيقونة الحية. من ناشئ في المقاولون إلى أفضل لاعب في الدوري الإنجليزي مرات عديدة. صلاح غيّر عقلية جيل كامل بتدريباته اليومية الشاقة، نظامه الغذائي الصارم، نومه المبكر، وتركيزه على التطوير المستمر. هو دليل حي أن الاحتراف ليس مجرد عقد مالي، بل نمط حياة.
— عمر مرموش : الجيل الجديد الذي يسير على خطى صلاح. احترافه في أوروبا (شتوتغارت وآينتراخت فرانكفورت وأخيرا مانشسترسيتي) يعكس التزامًا بدنيًا وعقليًا، سرعة تكيف مع بيئة مختلفة، وتركيز على الأداء لا على الشهرة السريعة.
— هؤلاء لم يعتمدوا على الموهبة وحدها، بل بنوا عقلية “المحترف” التي تجمع بين الصلابة النفسية، الالتزام اليومي، والقدرة على التعامل مع الفشل كدرس.
ثانيا…. الجانب السلبي…
( العقلية التي تعيق التقدم )
على الجانب الآخر، هناك أمثلة مؤلمة تُظهر كيف تدمر العقلية الخاطئة مسيرة موهوب:
— محمود كهربا : موهبة هائلة، لكنه عانى من مشاكل انضباط متكررة (عقوبات، هتافات، سلوكيات خارج الملعب)، أدت إلى تجارب احتراف فاشلة في الخارج، وعودات متكررة، وفقدان ثقة الأندية الأجنبية. سجله الانضباطي جعله غير مرغوب في بعض الأسواق.
— صالح جمعة : كان يُعتبر “مارادونا مصر” في بداياته، لكن تراجع مستواه السريع جاء بسبب مشاكل انضباط، عدم التزام بالتدريبات، وسلوكيات أدت إلى تهميشه في الأهلي ثم تجارب خارجية غير ناجحة. الغرور والافتقار للصلابة النفسية أوقفا مسيرته.
— إمام عاشور: موهبة كبيرة، لكنه تورط في أزمات متكررة (تمرد، تغيب عن بعثات، عقوبات مالية ضخمة في الأهلي مثل خصم 1.5 مليون جنيه). هذه السلوكيات تعكس صعوبة التعامل مع الضغط والالتزام بقواعد الاحتراف.
— المشكلة المشتركة: الغرور بعد النجاح المبكر، عدم القدرة على التكيف مع بيئة احترافية صارمة، ضعف الإعداد النفسي، والتعلق بالدلال المحلي بدلاً من الالتزام المهني.
ثالثا…كيف نرتقي بعقلية اللاعب المصري إلى مستوى المحترف الدولي؟
التغيير يحتاج استراتيجية شاملة:
1- الإعداد النفسي من الصغر : إدخال متخصصين نفسيين رياضيين في الأكاديميات والأندية لقياس الصلابة العقلية وبناء القدرة على إدارة الضغوط.
2- برامج احترافية مبكرة : تعليم النظام الغذائي، النوم، التعافي، والتدريب اليومي المنظم. تشجيع اللعب في أندية أقوى أو معسكرات خارجية لتطوير “الذكاء الكروي”.
3- تغيير ثقافة الأندية : وقف “التدليل”، فرض عقوبات صارمة على المخالفات الانضباطية، ومكافأة الالتزام لا الشهرة فقط.
4- دور النماذج : جعل صلاح ومرموش قدوة حقيقية من خلال برامج توعية، ودعوة النجوم للحديث عن تجاربهم في الغربة والتضحية.
5- اكتشاف علمي للمواهب : استخدام التكنولوجيا والاختبارات الفسيولوجية بدلاً من الاعتماد على “النظرة” التقليدية.
6- تشجيع الاحتراف المبكر : تسهيل الانتقال لأوروبا مع دعم نفسي وبدني لتجنب الصدمة الثقافية. مثل ما حدث مع حمزة عبد الكريم لاعب الأهلي السابق الذي إنتقل الي برشلونة علي سبيل الإعارة .
وختاما…فإن كرة القدم المصرية تمتلك كل المقومات لتصبح قوة عالمية، لكن العقلية هي المفتاح الذي يفتح الأبواب أو يغلقها. محمد صلاح لم يكن استثناءً، بل هو دليل على أن التغيير ممكن. إذا استطعنا تحويل “اللاعب الموهوب” إلى “المحترف الملتزم”، سنرى أجيالاً جديدة تحمل اسم مصر في أكبر الملاعب.
المهمة ليست سهلة، لكنها ليست مستحيلة. تبدأ من اليوم: في كل تدريب، في كل قرار انضباطي، في كل درس يتعلمه الطفل في الأكاديمية.
عقلية المحترف ليست رفاهية.. بل هي الطريق الوحيد للعالمية.
مصر لا تستحق مواهب تتلألأ ثم تخبو..مصر تستحق أساطير مستمرة…. تتلألأ في أي زمان وأي مكان.
