كتبت: د. إيمان بشير ابوكبدة
الموشحات الليبية هي جزء أصيل من فن “المالوف” الأندلسي، الذي وصل إلى ليبيا مع الفارين من الأندلس بعد سقوطها عام 1492م.
هذا الفن متجذر بعمق في التراث الليبي، ويُعد سمة من سمات الوجود الثقافي المتعمق في التاريخ الإنساني.
رغم أن فن المالوف والموشحات كان منتشرًا في معظم أنحاء ليبيا، إلا أنه حاليًا ينحصر بشكل كبير في مدينة طرابلس، حيث تتواجد الفرق الخاصة به، بينما اختفى من بعض المدن الأخرى. ومع ذلك، يظل هذا الفن تراثًا ثقافيًا مهمًا يعكس ثراء الثقافة الموسيقية الأندلسية في المنطقة، ويسعى المهتمون إلى الحفاظ عليه وتطويره.
تاريخ الموشحات الليبية
الأصول الأندلسية: ترجع أصول الموشحات الليبية، شأنها شأن فن المالوف في دول المغرب العربي، إلى الموسيقى التي نشأت في الأندلس. وقد انتقلت هذه الفنون إلى المنطقة المغاربية، ومنها ليبيا، مع المسلمين الذين هاجروا من الأندلس هربًا من محاكم التفتيش الإسبانية.
القرن الثاني عشر الميلادي: يعود تاريخ دخول فن المالوف والموشحات إلى ليبيا إلى القرن الثاني عشر الميلادي.
دور الطرق الصوفية: لعبت الطرق الصوفية، وخاصة الطريقة العيساوية المنسوبة للشيخ سيدي امحمد بن عيسى المكناسي، دورًا بارزًا في احتضان هذا الفن ونشره في ليبيا على مر العصور، وربما كانت سببًا رئيسيًا لدخوله البلاد.
التطور والتوطين: تطور فن المالوف والموشحات في ليبيا على يد العديد من الفنانين والملحنين الليبيين، الذين أضافوا لمساتهم الخاصة إليه، مما جعله أكثر ثراءً بالإيقاعات والمقامات الموسيقية. من أبرز أعلام هذا الفن الذين أسهموا في انتشاره وتطويره في ليبيا الشيخ محمد قنيص، والشيخ محمود كانون، والشيخ علي مكنوسة، والشيخ محمد أبو ريانة، وصولاً إلى الموسيقار الكبير حسن عريبي، الذي أسس فرقة المالوف والموشحات في الإذاعة الليبية عام 1964.
الحفاظ عليه
تم بذل جهود كبيرة للحفاظ على هذا التراث، حيث أمر الأديب الراحل خليفة التليسي بتسجيل أكثر من 250 نوبة للمالوف لأول مرة عندما كان وزيرًا للثقافة والفنون في العهد الملكي.
ما يميز الموشحات الليبية
المصدر الأندلسي: تحمل الموشحات الليبية طابعًا أندلسيًا أصيلًا، يظهر في بنيتها اللحنية والنصية.
التنوع الموسيقي: يتميز المالوف الليبي بثراء إيقاعاته ومقاماته الموسيقية، التي تصل إلى 14 مقامًا، مما يعكس موجة التطوير التي شهدها الفن على يد الفنانين الليبيين.
المواضيع: تتناول الموشحات الليبية مواضيع متنوعة، غالبًا ما تكون دينية في طابعها، مثل مدح الرسول الكريم، ونصائح إرشادية وتوعوية، بالإضافة إلى الأغراض الأخرى مثل الغزل، والخمر (في الموشحات الأندلسية الأصلية)، ووصف الطبيعة، والرثاء، والهجاء.
الآلات الموسيقية: تستخدم في الموشحات الليبية مجموعة من الآلات الموسيقية التقليدية، منها:
آلات وترية: العود، الكمنجة، القانون.
آلات نفخية: الغيطة، الناي، القرنيطة.
آلات إيقاعية: النوبة (تستخدم في الموكب المولدي)، الطبلة (الدربوكة)، الطار (الندير العيساوي)، النقرة، البندير أو الدفوف.
البناء الشعري: تختلف الموشحات في بنيتها الشعرية عن القصيدة العمودية التقليدية، حيث تتسم بتنوع القوافي وتعددها في الموشحة الواحدة، مما يضيف إليها حيوية موسيقية وتأثيرًا خاصًا. وقد تستخدم اللغة الدارجة أو حتى الأعجمية في بعض الأحيان.
الارتباط بالمناسبات الدينية: من أهم المناسبات التي يقدم فيها فن المالوف والموشحات في ليبيا مناسبة المولد النبوي، حيث تخرج مواكب الزوايا الصوفية لترديد المدائح والنوبات.
الزي الشعبي: يحرص مؤدو هذا الفن العريق على ارتداء الزي الشعبي التقليدي أثناء غنائهم، تأكيدًا لتجذره في التقاليد الثقافية والأدبية الليبية.
