د.نادي شلقامي
يمثل فوز زهران كوامي ممداني بمنصب رئيس بلدية نيويورك نقطة تحول تاريخية غير مسبوقة في المشهد السياسي الأمريكي. فبالإضافة إلى كونه أول مسلم وأول شخص من أصول جنوب آسيوية (هندية) يصل إلى هذا المنصب في تاريخ المدينة، يجسد ممداني (المولود عام 1991) قوة التيار الاشتراكي الديمقراطي وجيل الألفية (Millennials) في أكبر مدن أمريكا وأكثرها تنوعًا. قصته هي مزيج فريد من النشأة المهاجرة، النشاط السياسي الجذري، والرؤية اليسارية الجريئة التي استطاعت أن تكسر حواجز المؤسسة السياسية التقليدية، وأن توجه رسالة تحدٍ مباشرة للتيار اليميني وعلى رأسه دونالد ترامب.
أولا….. الجذور والخلفية:
(من أوغندا إلى قلب كوينز)
1- الميلاد والنشأة:
أ- الاسم الكامل: زهران كوامي ممداني (Zohran Kwame Mamdani).
ب- تاريخ الميلاد: 18 أكتوبر 1991.
ج- محل الميلاد: كامبالا، أوغندا.
د- الجنسية المزدوجة: يحمل الجنسيتين الأوغندية والأمريكية (حصل على الجنسية الأمريكية بالتجنس عام 2018).
ه-الخلفية العائلية: ينحدر من عائلة أكاديمية وفنية مرموقة.
ز- الأب: محمود ممداني، أكاديمي بارز وبروفيسور في جامعة كولومبيا، ومعروف بأعماله في الأنثروبولوجيا والتحليل السياسي (ومن المعروف عنه انتماؤه الفكري للتيار الماركسي).
ش- الأم: ميرا ناير، مخرجة ومنتجة أفلام هندية عالمية شهيرة، من أشهر أعمالها Monsoon Wedding و Mississippi Masala.
ص- الانتقال: انتقل مع عائلته إلى جنوب أفريقيا ثم إلى مدينة نيويورك في سن السابعة، واستقر في منطقة كوينز.
2- التعليم والبدايات:
2-1- التعليم الثانوي: تخرج من مدرسة برونكس الثانوية للعلوم (The Bronx High School of Science).
2-2- التعليم الجامعي: حصل على درجة البكالوريوس في الدراسات الأفريقية من كلية بودوين (Bowdoin College) في عام 2014.
2-3- النشاط الطلابي: كان عضوًا مؤسسًا لفرع “طلاب من أجل العدالة في فلسطين” (Students for Justice in Palestine) في كليته، مما يعكس ميوله السياسية المبكرة.
2-4- الحياة المهنية المبكرة: عمل كمستشار إسكان للوقاية من الرهن العقاري، حيث ساعد أصحاب المنازل ذوي الدخل المحدود في كوينز على مقاومة الإخلاء، وهي التجربة التي يُرجع إليها الفضل في إلهامه لدخول المعترك السياسي.
2-5- مسيرة موازية: كان لممداني مسيرة في مجال موسيقى الهيب هوب (الراب) تحت اسم مستعار هو Mr. Cardamom (السيد هيل).
ثانيا… المسار السياسي والتحول الثوري
أ. عضوية جمعية ولاية نيويورك:
1- العضوية: ينتمي إلى الحزب الديمقراطي ويعد عضوًا فاعلًا في تيار الاشتراكيون الديمقراطيون الأمريكيون (DSA).
2- الانتخاب الأول (2020): حقق انتصارا مفاجئًا وهامًا بانتخابه في الجمعية التشريعية لولاية نيويورك عن الدائرة 36 (كوينز – أستوريا)، حيث أطاح بالنائبة المخضرمة أرافيلا سيموتاس.
3- أبرز إنجازاته كنائب:
3-1- كان من أبرز المدافعين عن حقوق سائقي سيارات الأجرة (التاكسي)، وشارك في إضراب عن الطعام دام 15 يومًا لدعم خطة لتخفيف ديونهم.
3-2- دفع بنجاح لتنفيذ برنامج تجريبي لجعل بعض خطوط الحافلات العامة مجانية، وهي خطوة أصبحت جزءًا محوريًا من برنامجه لرئاسة البلدية.
ب. الفوز بمنصب رئيس البلدية (2025/2026):
1- الانتخابات التمهيدية (2025): حقق فوزاً مدوياً على الحاكم السابق لنيويورك أندرو كومو، وهو ما شكل صدمة للمؤسسة الديمقراطية.
2- الانتخابات العامة (2025): فاز بمنصب رئيس بلدية نيويورك (عمدة) على منافسيه، ليصبح:
2-1- أول مسلم يشغل منصب عمدة نيويورك.
2-2- أول شخص من أصول جنوب آسيوية يشغل المنصب.
2-3- أول عمدة من جيل الألفية للمدينة.
2-4- ثاني اشتراكي ديمقراطي بعد ديفيد دينكنز يتولى المنصب.
ثالثا…. البرنامج السياسي والرؤى اليسارية لزهران ممداني
يرتكز برنامج ممداني على مبدأ “نيويورك التي يمكنك تحملها” (A New York You Can Afford)، ويهدف إلى تحويل الخدمات الأساسية إلى حقوق مكفولة للجميع، ممولاً ذلك بفرض ضرائب على الشركات والأثرياء.
1. الإسكان والعدالة الاقتصادية
1-1- تجميد الإيجارات: الدعوة إلى فرض تجميد فوري على الإيجارات في جميع الشقق ذات الإيجار المثبت للمساعدة في وقف أزمة التكلفة.
1-2- الإسكان الاجتماعي (City-Led Housing): بناء ما لا يقل عن 200,000 وحدة سكنية جديدة بأسعار معقولة تقودها المدينة، وليس المطورون الخواص، لضمان بقائها ميسورة التكلفة.
1-3- مكافحة الإخلاء: تعزيز قوانين حماية المستأجرين وتوفير تمثيل قانوني مجاني لجميع المستأجرين المعرضين للإخلاء.
1-4- زيادة الحد الأدنى للأجور: رفع الحد الأدنى للأجور في نيويورك بشكل تدريجي للوصول إلى 30 دولارًا للساعة بحلول عام 2030، لضمان أن يتمكن العمال من العيش بكرامة في المدينة.
2. الضرائب وإعادة التوزيع (التمويل)
2-1- ضريبة الثروة والشركات: تمويل البرامج الاجتماعية الجديدة من خلال زيادة الضرائب على الشركات الكبرى ووضع شرائح ضريبية أعلى على الأفراد الأكثر ثراءً في نيويورك.
2-2- ميزانية الشعب: إعادة توجيه الأموال من الميزانيات ذات الأولوية المنخفضة (مثل بعض ميزانيات الشرطة) نحو الخدمات الاجتماعية والإسكان والتعليم.
3. النقل والمرافق العامة
3-1- حافلات مجانية: جعل جميع خدمات الحافلات العامة مجانية (Fare-Free Buses) على مستوى المدينة لتشجيع استخدام وسائل النقل العام وتخفيف العبء المالي عن العمال.
3-3-تحسين المترو: تخصيص تمويل إضافي وكبير لتحسين وصيانة خطوط مترو الأنفاق المتهالكة لضمان كفاءة الخدمة.
3-4- متاجر البقالة المملوكة للمدينة: إنشاء متاجر بقالة مملوكة للمدينة في المناطق المحرومة لخفض أسعار المواد الغذائية والتركيز على خدمة المجتمع بدلاً من تحقيق الربح.
4. الرعاية والخدمات الاجتماعية
4-1- رعاية الأطفال المجانية: توفير رعاية مجانية وشاملة للأطفال (Free Child Care) لمن هم بين 6 أسابيع و5 سنوات.
4-2- الصحة النفسية المجتمعية: توسيع نطاق خدمات الصحة النفسية المجتمعية لتكون متاحة للجميع، والتركيز على العلاج والوقاية بدلاً من السجن.
5. العدالة والأمن (إصلاح الشرطة)
5-1- إدارة السلامة المجتمعية: إنشاء إدارة جديدة للسلامة المجتمعية (Department of Community Safety) التي ستتولى الاستجابة لحالات الأزمات غير الجنائية (مثل الصحة النفسية والإدمان) بدلاً من الشرطة، مما يركز على منع العنف قبل حدوثه.
5-2- إصلاح الشرطة الجذري: الدعوة إلى إصلاح شامل للعدالة الجنائية، بما في ذلك إنهاء نظام الكفالة النقدية وإلغاء صلاحيات “التوقيف والتفتيش” التعسفية.
6. السياسة الخارجية والمواقف الدولية (القضية الفلسطينية)
6-1- مناهضة الاحتلال: وصف إسرائيل بأنها “دولة فصل عنصري” (Apartheid State) والعمل على دعم حقوق الفلسطينيين.
6-2- تحدي الساسة: التزام باتخاذ إجراءات رمزية ضد القادة الذين يعتبرهم مسؤولين عن انتهاكات حقوق الإنسان، مثل تهديده باعتقال رئيس وزراء إسرائيل (بنيامين نتنياهو) في حال دخوله نيويورك، مستشهداً بمذكرات المحكمة الجنائية الدولية.
رابعا… المواقف الجدلية: القضية الفلسطينية والصدام مع المؤسسة
يُعرف ممداني بمواقفه التقدمية الجذرية، خاصة فيما يتعلق بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وهي النقطة التي أثارت حوله أكبر قدر من الجدل والانتقادات، خاصة من قبل التيار اليميني والمؤسسات المؤيدة لإسرائيل:
1-وصف إسرائيل: وصف ممداني إسرائيل مرارًا بأنها “دولة فصل عنصري” (Apartheid State).
2- الموقف من غزة: كان من أوائل المطالبين بوقف فوري لإطلاق النار في غزة، كما أنه يدعم بشدة حقوق الفلسطينيين.
3- التحدي المباشر: تعهد، مستشهداً بمذكرات المحكمة الجنائية الدولية، بـ اعتقال رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو في حال دخوله مدينة نيويورك.
4- الانتقادات والرد: تعرض لهجوم شرس ووُصفت مواقفه بأنها معادية للسامية، وهو ما نفاه ممداني مؤكدًا أن دعمه لحقوق الفلسطينيين هو مطلب للعدالة والمساواة، وتعهد بمكافحة جميع أشكال الكراهية بما فيها معاداة السامية.
خامسا…. دلالة الفوز ورسالته لترامب
كان فوز ممداني التاريخي موجهًا بشكل مباشر للرئيس السابق دونالد ترامب الذي هاجمه بشدة ووصفه بأنه “شيوعي” وهدد باعتقاله إذا حاول إعاقة عمل وكالات الهجرة الفيدرالية في نيويورك.
1- رسالة ممداني (خارطة الطريق): أكد ممداني أن فوزه يمثل “خارطة طريق” واضحة لكيفية هزيمة سياسات ترامب. فانتصاره يثبت أن التيار اليساري التقدمي يمكنه حشد قاعدة جماهيرية واسعة من الشباب، المهاجرين، وأبناء الطبقة العاملة الذين يتوقون إلى حلول جذرية لمشاكل غلاء المعيشة.
2- الدلالة الوطنية: يعتبر المحللون فوز ممداني اختباراً لقوة الحركة الاشتراكية الديمقراطية في أمريكا، التي تحظى بدعم شخصيات وازنة مثل السيناتور بيرني ساندرز والنائبة ألكسندريا أوكاسيو-كورتيز، مما يشير إلى تحول محتمل في اتجاه الحزب الديمقراطي نحو اليسار الاقتصادي والاجتماعي.
يمثل زهران ممداني، بثقافته المزدوجة ومواقفه اليسارية، التجسيد الحي لمدينة نيويورك المتنوعة والناشطة سياسياً. هو ليس مجرد رئيس بلدية، بل رمز لجيل جديد من السياسيين المهاجرين الذين لا يخشون تحدي “الوضع الراهن” في سبيل تحقيق مدن أكثر عدلاً ومساواة، مما يجعله شخصية محورية للمتابعة في السنوات القادمة على الساحة الأمريكية والعالمية.
