بقلم د.نادي شلقامي
يُمثّل سرطان المثانة أحد أنواع السرطانات الشائعة، خاصة بين كبار السن والذكور، وينشأ في الغالب في البطانة الداخلية للمثانة، وهو العضو العضلي المجوف المسؤول عن تخزين البول.
ورغم أن أعراضه قد تبدو بسيطة في بدايتها، فإن الوعي بأسبابه، والانتباه المبكر لأعراضه، واتباع طرق التشخيص والعلاج الحديثة، كلها عوامل تُعد خط الدفاع الأول في مواجهة هذا المرض.
يسلط هذا التقرير الضوء على جوانب سرطان المثانة المختلفة، مؤكداً على أهمية الاكتشاف المبكر لتحقيق أفضل النتائج العلاجية.
أولاً… الأسباب وعوامل الخطر:
(رحلة التحول في الخلية)
لا يزال السبب الدقيق وراء تحوّل الخلايا السليمة إلى خلايا سرطانية في المثانة غير معروف تماماً، لكن الأبحاث الطبية حددت مجموعة من عوامل الخطر التي تزيد من احتمالية الإصابة، وأبرزها.
1. التدخين: يُعد العامل الأكثر أهمية وتأثيراً. تحتوي منتجات التبغ على مواد كيميائية ضارة تُمتص في الجسم وتُطرح في البول، فتتراكم في المثانة وتُلحق الضرر ببطانتها، مما يزيد من خطر التحول السرطاني.
2. التعرض للمواد الكيميائية: الأشخاص الذين يعملون في صناعات مثل الأصباغ والمطاط والجلود والدهانات، ويتعرضون لمواد كيميائية كالأمينات العطرية، هم أكثر عرضة للإصابة.
3. التقدم في السن: يزداد خطر الإصابة بسرطان المثانة مع التقدم في العمر، وغالباً ما يتم تشخيصه بعد سن 55 عاماً.
4. الالتهابات المزمنة والبلهارسيا البولية: الالتهابات المزمنة في المثانة، خصوصاً الناتجة عن عدوى البلهارسيا (Schistosoma haematobium)، قد ترتبط بزيادة خطر الإصابة بنوع محدد من سرطان المثانة يُعرف بسرطان الخلايا الحرشفية.
5. العلاج الإشعاعي والعلاج الكيميائي السابق: التعرض للإشعاع في منطقة الحوض أو العلاج بعقاقير معينة (مثل سيكلوفوسفاميد) قد يزيد من احتمال الإصابة لاحقاً.
6. التاريخ العائلي: وجود إصابات سابقة بسرطان المثانة في العائلة قد يشير إلى عوامل وراثية أو بيئية مشتركة.
ثانياً… الأعراض والعلامات التحذيرية:
(رسائل من الجسم لا ينبغي تجاهلها)
قد تتشابه أعراض سرطان المثانة مع أمراض أخرى مثل التهابات المسالك البولية أو الحصوات، لكن هناك علامات مميزة يجب الانتباه إليها:
1. وجود دم في البول (البيلة الدموية): العرض الأكثر شيوعاً. قد يظهر البول بلون أحمر فاتح أو داكن، وأحياناً لا يُكتشف الدم إلا بتحليل مخبري. غالباً ما يكون غير مصحوب بألم، مما قد يؤدي إلى إهماله.
2. كثرة التبول: الحاجة المتكررة للتبول أكثر من المعتاد.
3. ألم أو حرقة أثناء التبول: شعور بالألم أو الانزعاج عند إخراج البول.
4. الإلحاح البولي: الحاجة المفاجئة والملحّة للتبول.
5. أعراض متقدمة: في المراحل المتأخرة، قد تظهر آلام في أسفل الظهر أو الحوض، تورم في الساقين، فقدان الشهية، أو نقص في الوزن.
ثالثاً… التشخيص والكشف المبكر:
(مفتاح العلاج الناجح)
يُعد الاكتشاف المبكر لسرطان المثانة من أهم العوامل التي ترفع فرص الشفاء. ويعتمد التشخيص على عدة فحوصات متكاملة:
1. تحليل البول (Urinalysis): يُستخدم للكشف عن وجود دم أو مؤشرات التهاب.
2. فحص الخلايا البولية (Urine Cytology): يتم فيه فحص عينة من البول تحت المجهر للبحث عن خلايا سرطانية أو غير طبيعية.
3. تنظير المثانة (Cystoscopy): الإجراء الأهم، حيث يُدخل الطبيب أنبوباً رفيعاً مزوداً بكاميرا عبر مجرى البول لرؤية بطانة المثانة وتحديد أي أورام.
4. الخزعة (Biopsy) أو استئصال الورم عبر الإحليل (TURBT): تُجرى أثناء التنظير لأخذ عينة أو إزالة الورم كاملاً لفحصه تحت المجهر، وهو الفحص القاطع لتأكيد التشخيص وتحديد نوع ودرجة الورم.
5. الفحوصات التصويرية: لتحديد مدى غزو الورم لجدار المثانة أو انتشار النقائل إلى أعضاء أخرى، وتشمل:
التصوير المقطعي المحوسب (CT Urogram).
التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI).
الموجات فوق الصوتية (Ultrasound).
رابعاً… خيارات العلاج المتاحة:
(مقاربة متعددة التخصصات)
يعتمد اختيار الخطة العلاجية على مرحلة السرطان ودرجته والحالة العامة للمريض، وتشمل:
1. الجراحة (Surgery):
استئصال الورم عبر الإحليل (TURBT): يُستخدم لعلاج السرطانات السطحية التي لم تخترق الجدار العضلي.
الاستئصال الجزئي للمثانة: إزالة جزء من المثانة في حالات محددة.
الاستئصال الجذري للمثانة: إزالة المثانة بالكامل والعُقَد اللمفاوية المحيطة، وقد يشمل إزالة أعضاء مجاورة. يتطلب هذا الإجراء إنشاء طريق بديل لتصريف البول (مثل مثانة بديلة أو فتحة خارجية للتصريف).
2. العلاج داخل المثانة:
يُستخدم بعد الجراحة للسرطانات السطحية، ويشمل العلاج المناعي باستخدام لقاح BCG أو أحياناً أدوية كيميائية تُحقن داخل المثانة لقتل الخلايا المتبقية ومنع عودة الورم.
3. العلاج الكيميائي الجهازي (Systemic Chemotherapy):
يُستخدم قبل الجراحة لتقليص الورم أو بعدها للقضاء على الخلايا المتبقية أو في حالات انتشار السرطان.
4. العلاج الإشعاعي (Radiation Therapy):
يعتمد على استخدام أشعة عالية الطاقة لتدمير الخلايا السرطانية، وغالباً ما يُستخدم كخيار بديل أو مساعد للجراحة في بعض الحالات.
يُعد سرطان المثانة تحدياً صحياً يتطلب وعياً ويقظة مجتمعية. فالإقلاع عن التدخين وتقليل التعرض للمواد الكيميائية الضارة من أهم وسائل الوقاية.
والأهم من ذلك، أن ظهور دم في البول – حتى لو كان عرضاً بسيطاً – يجب ألا يُتجاهل، بل يستدعي مراجعة فورية لطبيب المسالك البولية.
ومع التطور المستمر في تقنيات التشخيص والعلاج، وخاصة عند الاكتشاف المبكر، أصبحت نسب الشفاء مرتفعة، مما يؤكد أن الوعي هو أول وأقوى خطوة نحو التعافي.
