بقلم: أحمد رشدي
حاسب نفسك أولًا قبل أن يحاسبك غيرك،
وقف مع ذاتك وقفة صدق ومراجعة بينك وبين نفسك دون تزييف أو أعذار. اجلس مع ضميرك جلسة مصارحة، واسأله: ماذا فعلت اليوم؟ هل كان فعلي هذا يرضي الله؟ هل في قولي أو عملي أذى لإنسان؟ إن وجدت أنك ظلمت أحدًا، فبادر بالاعتذار، وإن قصّرت في حقّ ربك فاستغفر، فالسعيد من أصلح نفسه قبل فوات الأوان.
قد يقول البعض: “أنا حر أفعل ما أشاء”، ولكن تأمل قليلًا، فحريتك لا تعني أن تؤذي غيرك، ولا أن تتعدى على حقوق الآخرين. الحريّة الحقيقية هي أن تكون سيد نفسك، وأن تقف عند حدود الله. فإن كنت لا ترضى أن يُؤذى أحد من أهلك أو أحبّتك، فكيف ترضى أن تؤذي غيرك؟
من استحيا من الله، استقام قلبه واستقامت جوارحه.
قال تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 36].
تذكّر أنك مسؤول عن كل نظرة، وكل كلمة، وكل خطوة تخطوها. فما تزرعه اليوم ستحصده غدًا، فإن زرعت خيرًا رأيت خيرًا، وإن زرعت شرًا فاحذر من حصاده المرّ.
واسمع قول نبيّك ﷺ حين قال: “الكَيِّسُ من دانَ نفسَه وعملَ لما بعدَ الموت، والعاجزُ من أتبعَ نفسَه هواها وتمنَّى على الله الأماني” [رواه الترمذي].
فالعاقل من يحاسب نفسه ويعدّ زاده ليوم الرحيل، لا ينتظر حتى يفوته الأوان.
استقم كما أمرك الله، ولا تؤذِ مشاعر أحد، ولا تجرح قلبًا، ولا تعتدِ على حقوق الغير، فكما تدين تُدان. اجعل من ضميرك قاضيًا عادلًا، ومن قلبك رقيبًا رحيمًا. لا تقل: “الناس يفعلون”، بل قُل: “أنا مسؤول عن نفسي”، فصلاح المجتمع يبدأ من صلاح الفرد،
والعدل يبدأ من قلبٍ يخاف الله.
قال تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾ [هود: 112]، فالاستقامة ليست كلمة تُقال، بل سلوك يُعاش، وعبادة تُترجم بالأخلاق والمعاملة الحسنة.
تذكّر دائمًا أن الأيام تمضي، والأنفاس تُعدّ، فاغتنم لحظاتك قبل أن تندم عليها.
لا تجعل الدنيا تلهيك عن نفسك، فالمحاسبة اليوم أهون من الحساب غدًا.
واعلم أن من أعظم الحكم قولهم:
“من أصلح سريرته أصلح الله علانيته، ومن راقب الله في خلواته رفع الله ذكره في الملأ”.
فاجعل بينك وبين الله طريقًا من الصدق لا ينقطع، واجعل من الاستقامة زادًا في رحلتك، فإن طريق الله طويل،
ولا يثبّت عليه إلا من أخلص نيّته وراقب نفسه.
استقيموا يرحمكم الله، فبرحمة الله تطمئن القلوب، وبهدايته تُضاء الدروب،
وبالاستقامة تُكتب النجاة.
