نجده محمد رضا
في تاريخ مصر القديم أسماء حفرت حضورها في الوجدان الإنساني، لكن قلّما برز اسم بقدر ما برز اسم كليوباترا السابعة الملكة التي جمعت بين الذكاء السياسي، والحضور الطاغي، والقدرة على إدارة دولة تواجه أطماع الإمبراطوريات لم تكن مجرد امرأة جميلة كما صوّرها الأدب الغربي؛ بل كانت حاكمة بارعة أدركت حجم التحديات فواجهتها بدهاء استثنائي.
من هي كليوباترا؟
كليوباترا السابعة ابنة بطليموس الثاني عشر، وُلدت في الإسكندرية عام 69 ق.م، وهي آخر ملوك الدولة البطلمية التي حكمت مصر بعد وفاة الإسكندر الأكبر اعتلت العرش في عمر صغير، في زمن كان الصراع السياسي والاضطرابات يهدد بسقوط المملكة.
ملكة تتقن لغات عصرها
تميزت كليوباترا بثقافة واسعة غير معهودة لنساء ذلك العصر؛ فقد أتقنت اليونانية واللاتينية وعددًا من اللغات الشرقية، وكان المؤرخون يصفونها بأنها الملكة البطلمية الوحيدة التي تعلمت اللغة المصرية القديمة، ما عزّز حضورها لدى الشعب ورسّخ شرعيتها.
صعودها إلى الحكم وصراع العرش
بعد وفاة والدها، تولّت كليوباترا الحكم بالمشاركة مع شقيقها بطليموس الثالث عشر، وفق تقليد الأسرة البطلمية ولكن سرعان ما نشب بينهما صراع على السلطة، أدّى إلى إقصائها مؤقتًا عن الحكم، قبل أن تستعيد عرشها بفضل حنكتها السياسية وعلاقتها بقيصر.
تحالفها مع يوليوس قيصر
حين وصل يوليوس قيصر إلى مصر عام 48 ق.م، سعَت كليوباترا إلى كسب دعمه لاستعادة السلطة ويذكر المؤرخون أنّ لقاءهما شكل نقطة تحول سياسية إذ ساعدها قيصر على استعادة العرش، كما أنجبت منه ابنها “قيصرون”.
وقد سعت من خلال هذا التحالف إلى حماية مصر من الأطماع الرومانية وتحقيق قدر من الاستقلال السياسي.
كليوباترا بعد اغتيال قيصر
أدّى اغتيال قيصر عام 44 ق.م إلى إدخال العالم في دوامة من الصراعات وفي خضم ذلك أقامت كليوباترا تحالفًا جديدًا مع القائد الروماني مارك أنطونيوس، أحد أبرز رجال روما تحالف دامٍ ربطته علاقة سياسية وعاطفية معًا، وكان هدفها الرئيسي الحفاظ على استقلال مصر وتقوية نفوذها الإقليمي.
معركة أكتيوم… بداية النهاية
عام 31 ق.م اندلعت معركة أكتيوم البحرية بين قوات أنطونيوس وكليوباترا من جهة، وقوات أوكتافيان من جهة أخرى. كانت المعركة نقطة فاصلة إذ انتهت بهزيمة التحالف المصري الروماني وعلى أثر ذلك تراجع أنطونيوس إلى الإسكندرية، قبل أن يُهزم نهائيًا.
انتحار كليوباترا… أسطورة لا تنتهي
مع دخول قوات أوكتافيان إلى الإسكندرية وإدراك الملكة أن مصر ستخضع للحكم الروماني، اختارت كليوباترا أن تنهي حياتها بسم الأفعى، وفق أشهر الروايات. رحلت الملكة في أغسطس عام 30 ق.م، لتنطوي بوفاتها آخر صفحات الحكم الفرعوني، وتبدأ مصر مرحلة الاحتلال الروماني.
إرث الملكة في الذاكرة الإنسانية
رغم مرور القرون، لا تزال كليوباترا رمزًا يجمع بين القوة والدهاء والجمال. لقد ظُلمت كثيرًا في الروايات الغربية التي حصرت قيمتها في نفوذها العاطفي، بينما كانت في الواقع سيدة دولة، قادرة على التفاوض، وصاحبة رؤية سياسية واضحة للدفاع عن مصر.
إن قصة كليوباترا ليست مجرد أحداث تاريخية، بل نموذج لزعيمة خاضت صراعات كبرى وهي تحاول حماية وطنها من مطامع القوى العظمى. ستظل الملكة التي أقلقت روما، ووقفت بشجاعة أمام أعاصير السياسة، واحدة من أبرز الشخصيات النسائية في تاريخ مصر والعالم.
