بقلم د.نادي شلقامي
يمثل تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي قيادة جمهورية مصر العربية في عام 2014 نقطة تحوّل محورية في تاريخ مصر الحديث. هذه المسيرة، التي ان من الانضباط العسكري الصارم إلى واجهة المشهد السياسي، لم تكن مجرد انتقال للسلطة، بل كانت استجابة لأعقد مراحل مرّت بها الدولة المصرية بعد ثورتي 2011 و2013. وصل السيسي إلى سدة الحكم في ظل تحديات ثلاثية الأبعاد: انهيار أمني غير مسبوق في سيناء وعلى الحدود، واستقطاب سياسي حاد يهدد النسيج الوطني، وتردٍّ اقتصادي مزمن. وبدلاً من التركيز على الإصلاحات الجزئية، تبنّى السيسي فلسفة “بناء الدولة الشاملة” التي تقوم على مبدأ أن الأمن القومي لا يمكن أن يتحقق إلا عبر القوة العسكرية الردعية، والتنمية الاقتصادية العملاقة، واستعادة الدور الإقليمي والقاري. يستعرض هذا التقرير الشامل المراحل الحاسمة في هذه المسيرة، من جذورها العسكرية مروراً بلحظة الحسم في 30 يونيو، وصولاً إلى حجم الإنجازات القومية غير المسبوقة التي أرست الأساس لما يُطلق عليه الآن “الجمهورية الجديدة”.
أولاً: العلاقة مع الشعب ومفهوم “جبر الخواطر”
تعتمد علاقة الرئيس السيسي بالشعب على أسس عاطفية ووطنية، وتتمحور حول “جبر الخواطر” للفئات الأكثر احتياجاً:
1- الحماية الاجتماعية: التوسع في برنامج “تكافل وكرامة” للدعم النقدي، والتركيز على الاهتمام بالمهمشين.
2- القضاء على العشوائيات: تنفيذ مشروع قومي ضخم لتوفير مسكن لائق وآمن (مثل مشروعات الأسمرات).
3- مبادرة “حياة كريمة”: تُعد تجسيداً عملياً لجبر الخواطر، وتستهدف تحسين مستوى معيشة أكثر من 58 مليون مواطن في الريف عبر تطوير شامل للبنية التحتية والخدمات في نحو 4500 قرية.
4- أسلوب المخاطبة: يعتمد على اللغة الأبوية والصراحة التامة وطلب “الصبر وتحمل المسؤولية”.
5- مصادر التأييد: ينبع التأييد من فئات ترى فيه “المنقذ” الذي أوقف الفوضى، والمستفيدين من التنمية (إسكان وطرق)، والوطنيين الذين يرون فيه رمزاً للقوة القومية.
ثانياً: الإنجازات في الملفات الإقليمية والقارية
ركزت الاستراتيجية على إعادة مصر إلى موقعها كقوة محورية تعمل على حفظ الأمن القومي المباشر والاستقرار الإقليمي:
1- القضية الفلسطينية: حافظت مصر على دورها كـ الوسيط الحصري والضامن للاستقرار، ونجحت في تحقيق اتفاقات تهدئة متعددة، ودعمت المصالحة الوطنية و إعادة إعمار غزة.
2- الملف الليبي: إعلان “الخط الأحمر” (سرت-الجفرة) كإجراء ردعي، ودعم الجيش الوطني الليبي، واستضافة جولات الحوار الليبي-الليبي لتوحيد المؤسسات.
3- الملف السوداني: اعتبار السودان عمق الأمن القومي الاستراتيجي، ودعم الانتقال السياسي السلمي، واتخاذ موقف محايد داعم لوقف إطلاق النار في الأزمة الحالية، وفتح الحدود لاستقبال الفارين.
4- القضايا الأفريقية: رئاسة الاتحاد الأفريقي (2019)، ودفع أجندة التنمية والبنية التحتية (طريق القاهرة-كيب تاون).
5- سد النهضة الإثيوبي: قيادة جهود تدويل القضية ونقلها إلى مجلس الأمن لضمان اتفاق قانوني ملزم يحمي حقوق مصر المائية.
ثالثاً: تعزيز الهوية الوطنية والمواطنة (ملف الأقباط)
تبنى الرئيس السيسي فلسفة تقوم على أن “المصريين كلهم واحد” وأن التنوع مصدر قوة:
1- المواطنة الشاملة: التركيز على وحدة النسيج الوطني والقضاء على التمييز.
2- إنجازات تشريعية: إصدار قانون بناء الكنائس (2016) الذي سهل إجراءات الترخيص وسمح بتقنين أوضاع الآلاف من الكنائس.
3- الرمزية والدلالة: الحضور الشخصي في أعياد الميلاد بـ كاتدرائية العاصمة الجديدة كتقليد سنوي، وقيام الجيش بإعادة بناء الكنائس المتضررة بعد 2013 على نفقة الدولة.
4- التمثيل: زيادة تمثيل الأقباط في المناصب العليا والحساسة.
رابعاً: المشروعات القومية الكبرى
نفذت الدولة ستة محاور استراتيجية تهدف إلى إعادة بناء وتغيير الخريطة السكانية والاقتصادية:
1-البنية التحتية واللوجستيات:
1-1- إنشاء وتطوير أكثر من 7000 كم من شبكة الطرق القومية.
1-2- إنشاء أنفاق قناة السويس العملاقة لإنهاء عزلة سيناء.
1-3- مشروع قناة السويس الجديدة لزيادة القدرة الاستيعابية.
1-4- تطوير شامل للموانئ لتحويل مصر إلى مركز لوجستي عالمي.
2- المدن الجديدة وتغيير الخريطة السكانية:
2-1- بناء العاصمة الإدارية الجديدة (مدينة ذكية) لنقل مراكز صنع القرار.
2-2- بناء مدينة العلمين الجديدة ومدن الجيل الرابع الأخرى (المنصورة، الجلالة، إلخ) لاستيعاب الزيادة السكانية خارج وادي النيل.
3- الطاقة والموارد:
3-1- إنشاء مجمع بنبان للطاقة الشمسية (الأكبر في العالم) وتنويع مصادر الطاقة.
3-2- بناء محطات توليد كهرباء عملاقة (سيمنز) للقضاء التام على انقطاع الكهرباء وتوفير فائض للتصدير.
3-3- اكتشاف حقل “ظهر” للغاز وتحقيق الاكتفاء الذاتي والتحول لمركز إقليمي للطاقة.
4- الأمن المائي والزراعة:
4-1- إنشاء محطات معالجة ضخمة لمياه الصرف الزراعي (مثل بحيرة البقر الأكبر في العالم) لمواجهة تحديات الأمن المائي.
4-2- إطلاق مشروع “الدلتا الجديدة” لاستصلاح 2.2 مليون فدان لزيادة الرقعة الزراعية.
خامساً: إنجازات القطاعات الحيوية الأخرى
5- البترول والغاز: تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغاز في 2018 والتحول لمركز إقليمي للطاقة.
6- الكهرباء: القضاء الجذري على مشكلة انقطاع التيار.
7- الصحة: إطلاق مبادرة “100 مليون صحة” الناجحة في القضاء على فيروس سي، والبدء في تطبيق التأمين الصحي الشامل.
8- التعليم: تطوير منظومة التعليم الأساسي (2.0) والتوسع في إنشاء الجامعات الأهلية والتكنولوجية.
9- الإسكان: بناء مئات الآلاف من وحدات الإسكان الاجتماعي والقضاء على المناطق العشوائية غير الآمنة.
سادساً: الشراكة مع الوطن العربي
قامت على مبدأ “الدائرة العربية أولاً” والتكامل الاقتصادي:
1- الاستثمارات الخليجية: ضخ استثمارات ضخمة في المدن الجديدة والبنية التحتية، والمساهمة في تمويل مشروعات مثل الربط الكهربائي السعودي-المصري العملاق.
2- الأمن الإقليمي: استعادة الدور القيادي، وتشكيل محور الاعتدال العربي، ودعم استقرار دول الجوار (ليبيا، السودان، فلسطين).
سابعاً: الزراعة والصناعة
1- الزراعة: تنفيذ مشاريع استصلاح عملاقة (الدلتا الجديدة، توشكى الخير، 1.5 مليون فدان)، وتطوير منظومة الري، وتحقيق الاكتفاء الذاتي من عدة محاصيل رئيسية.
2- الصناعة: إنشاء وتطوير 17 مجمعاً صناعياً لدعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وزيادة الصادرات غير البترولية.
ثامناً: الطاقة النووية والطاقة المتجددة
1- النووية: إحياء وتفعيل البرنامج النووي السلمي عبر مشروع محطة الضبعة النووية بالتعاون مع روسيا، لإنشاء 4 مفاعلات بقدرة 4800 ميجاوات.
2- المتجددة: إنشاء مجمع بنبان للطاقة الشمسية (الأكبر في العالم)، وزيادة مشاركة الطاقة المتجددة في مزيج الطاقة، والمضي قدماً في مشروعات الهيدروجين الأخضر.
وختاما : (رؤية 2030 وتحديات المستقبل)
تُظهر السنوات التي قضاها الرئيس عبد الفتاح السيسي في الحكم تبنيًا واضحًا لنهج يقوم على الواقعية الصارمة في مواجهة التهديدات، والطموح العملاق في مشاريع البنية التحتية، والتركيز الأبوي على الحماية الاجتماعية ومفهوم “جبر الخواطر”. من خلال إنجازات محورية مثل القضاء على الهيكل التنظيمي للإرهاب في سيناء، وبناء شبكة عملاقة من الطرق والمدن الذكية (العاصمة الإدارية الجديدة)، وتحقيق الاكتفاء الذاتي من الطاقة، واستعادة الدور الإقليمي المحوري لمصر، نجحت القيادة السياسية في تثبيت أركان الدولة الهشة في مرحلة ما بعد الثورات. ومع ذلك، تبقى التحديات الهيكلية قائمة، وأبرزها ضرورة مواصلة الإصلاح الاقتصادي لزيادة مساهمة القطاع الخاص، ومواجهة الضغوط السكانية المتزايدة، وتأمين الموارد المائية في ظل استمرار تحدي سد النهضة. إن الرؤية الاستراتيجية التي تقود مصر نحو “رؤية 2030″ تتطلب استدامة الزخم التنموي الذي بدأته، وضمان أن يلمس المواطن العادي ثمار هذا البناء العملاق بشكل أكبر في حياته اليومية. في الختام، يمكن القول إن مسيرة السيسي هي قصة تحويل التهديد إلى فرصة، والانطلاق بـ”الجمهورية الجديدة” نحو مرحلة ترتكز على القوة، والاستقرار، والتنمية الشاملة.
