د.نادي شلقامي
يُعد عمر الخيام واحداً من أبرز الشخصيات في التاريخ الإسلامي والعالمي، فهو الرجل الذي جمع بين صرامة الرياضيات وعمق الفلسفة ورقة الشعر. عُرف بلقب “حكيم نيسابور”، واستطاع أن يترك بصمة لا تُمحى في سجل الحضارة الإنسانية. لم يكن الخيام مجرد شاعر غنى للجمال، بل كان عالماً فذاً سبقت نظرياته عصره بقرون، مما جعله محط تقدير الشرق والغرب على حد سواء.
أولاً…… النشأة والبيئة
— وُلد غياث الدين أبو الفتح عمر بن إبراهيم الخيام في مدينة نيسابور ببلاد فارس (إيران الحالية) في 18 مايو 1048م. لُقب بـ “الخيام” نسبة إلى حرفة والده الذي كان يصنع الخيام. نشأ في عصر ذهبي للعلم، وتلقى تعليماً شاملاً في الفلسفة، الفلك، والرياضيات. وبما أنه كان “موسوعياً” (Polymath)، فقد توزعت نتاجاته بين العلم البحتي والفلسفة التأملية.
ثانياً….الخيام كعالم رياضيات وفلك (الأعمال العلمية)
كان الخيام في عصره يُعتبر “إمام الرياضيين”، وقبل أن يشتهر بشعره، عُرف بعبقريته العلمية التي سبقت عصره:
1- كتاب المقالات في الجبر والمقابلة: هو أهم كتبه الرياضية على الإطلاق. قام فيه بتصنيف المعادلات من الدرجة الثالثة (المكعبة) وقدم حلولاً هندسية لها باستخدام تقاطع القطوع المخروطية، وهو إنجاز لم يسبقه إليه أحد، ويعتبر من الممهدين لعلم الهندسة التحليلية.
2- زيج ملكشاه (التقويم الجلالي): كلفه السلطان جلال الدولة ملكشاه بوضع تقويم دقيق، فابتكر “التقويم الجلالي” .
3- رسالة في شرح ما أشكل من مصادرات كتاب إقليدس: يعتبر هذا الكتاب كنزاً في علم الهندسة، حيث حاول فيه الخيام إثبات “المصادرة الخامسة” لإقليدس، ومهد الطريق لظهور الهندسة غير الإقليدية.
4- رسالة في الاحتيال لمعرفة مقداري الذهب والفضة في جسم مركب منهما: بحث علمي في الفيزياء والميكانيكا يعتمد على مبدأ أرشميدس لتحديد كثافة المعادن ونقائها.
ثالثاً… الجانب الأدبي والفلسفي (رباعيات الخيام)
نال الخيام شهرة عالمية واسعة بفضل “الرباعيات”، وهي مقطوعات شعرية فارسية تتألف من أربعة أشطر، وعلى الرغم من قلة مؤلفاته الأدبية مقارنة بالعلمية، إلا أنها كانت الأكثر تأثيراً في الثقافة الشعبية.
ميزات الرباعيات وفلسفتها:
1- دعوتها للتأمل في سر الوجود والحياة والموت.
2- الحث على الاستمتاع باللحظة الراهنة وترك الهموم الماضية.
3- تُرجمت إلى معظم لغات العالم، وكان لترجمة الإنجليزي “إدوارد فيتزجيرالد” الفضل الأكبر في ذيوع صيتها عالمياً، بينما كانت ترجمة الشاعر “أحمد رامي” (التي غنتها أم كلثوم) هي الأشهر عربياً.
مختارات من الرباعيات (ترجمة أحمد رامي):
أ- في التأمل في قدر الإنسان:
لَبِستُ ثوبَ العيشِ لَم أُستَشَر … وحِرتُ فيهِ بَينَ شَتّى الفِكَر
وسَوفَ أَنضو الثوبَ عَمّا قَليل … ولَم أَنَل مِن دَهريَ المُستَطَر
ب- الدعوة لاغتنام الوقت:
لا تَشغَلِ البالَ بِماضي الزَمان … ولا بِآتي العَيشِ قَبلَ الأَوان
وَاغْنَمْ مِنَ الحاضِرِ لَذّاتِهِ … فَلَيسَ في طَبْعِ اللَيالي الأَمان
ج حول زوال الدنيا:
مَشيتُ في الروضِ فَبانَ الزَهَر … نَسيمُهُ الصافِيَ لَمّا عَبَر
هَذا الثَرى صارَ خُدودَ المِلاح … فَصُن خُطى رِجلِكَ عِندَ المَمَر
د- خاتمة رائعة أم كلثوم:
فَما أَطالَ النومُ عُمراً ولا … قَصَّرَ في الأَعمارِ طولُ السَهَر
رابعاً…. الفلسفة والتدين وأعمال أخرى
ثارت حول الخيام نقاشات كثيرة؛ فمنهم من رآه مؤمناً متصوفاً، ومنهم من رآه متشككاً حائراً، لكنه كان يحمل فكراً حراً يدعو للتفكر. ومن أبرز أعماله الفلسفية والمتنوعة:
1- رسالة في الوجود: تتناول موضوعات ميتافيزيقية مثل واجب الوجود وصفات الله.
2- رسالة في الكون والتكليف: يوضح فيها رؤيته لمفهوم الخلق والعبادة.
3- نوروز نامه: كتاب بالفارسية عن تقاليد عيد النوروز وتاريخ ملوك فارس.
4- رسائل قصيرة: في الموسيقى وعلوم الطبيعة (مثل رسالة في اختلاف الفصول).
وختاما…رحل عمر الخيام في عام 1131م، تاركاً خلفه إرثاً يثبت أن العلم والأدب وجهان لعملة واحدة هي “الإنسانية”. إن حياة الخيام تعلمنا أن العقل الذي يبحث في أسرار النجوم والمعادلات الصعبة هو نفسه القلب الذي يتذوق الجمال ويصيغ المشاعر شعراً. سيبقى الخيام رمزاً للمثقف الشامل الذي تتخطى أعماله حدود الزمان والمكان.
