يونس عبد الحفيظ
لم يكن ليلُ الشرق، عبر تاريخه الممتدّ كصحراء لا ترى لها أفقًا، مجرد وقت يمرّ في صمت، بل كان قدَرًا يشبه الغشاوة التي تُثقل الأبصار فلا ترى غير ما أُريد لها أن تراه. ليلٌ طويل يكاد يغدو عمرًا بأكمله، ينام فيه الإنسان العربي قرونًا ويصحو على أطلال ما ظنّه عامًا واحدًا من الغفلة.
في هذا الليل، يولد الشاعر لا ليكون منشداً للفرح، ولا الكاتب ليكون صانعًا للزينة اللفظية، بل يولدان كجُرح.
من يحمل الوعي في زمن السبات، لا يكون إلا ملسوعًا، مطعونًا، مُطارَدًا بنار لا تطفأ.
وسينان، يا صديقي، لم يأتِ إلينا ليشكو قسوة العالم، ولا ليبثّ حسرته كما يفعل المنهزمون، بل جاء يحمل جمرة.
جمرةٌ أراد أن يضعها في أيدينا، في عقولنا، في ما نظنه يقينًا. يعرف أنها تؤلم. لكنه يعرف أيضًا أن الألم هو باب اليقظة.
نحن أمّة تعلّمت أن تهرب من السؤال، وتمجّد الإجابة الجاهزة، وتعتّق عزاءها في قصائد الماضي، وتجلس عند قبر حضارة كانت جديرة بالخلود.
نرفع صور الأجداد، وننسى أن الأمم لا تحيا بالماضي إلا بقدر ما تجعل منه سلّمًا لا سقفًا.
ولذلك، فإن الترنيمة لا تكفي.
الترنيمة تُوقظ قلبًا واحدًا، واللحن الجميل يوقظ لحظة، ولكن الخراب الذي يسكننا أعمق من أن يزول بصوت شاعر، أو حكمة شيخ، أو صيحة عاشق.
الخراب في البُنى، في التاريخ الذي لم نختر قراءته، في الأساطير التي ألبسناها ثياب الحقائق، في الخوف الذي تربّى معنا كما تربّى لحمنا على عظامنا.
فالنهضة، إن جاءت، لن تأتي صدفة ولا كرمًا من أحد.
لن تأتي على يد بطلٍ أسطوري.
لن يسقط علينا ضوء من السماء.
ولن ينقذنا أحد من خارجنا.
النهضة تبدأ حين:
نجرؤ على السؤال الذي كان محرمًا.
نكسر الأصنام التي لم نعد نرى ملامحها من كثرة ما قدّسناها.
نفهم أن العلم ليس ترفًا، بل سلطة، سلاح، هوية.
نؤمن أن الحرية ليست هدية، بل معركة.
هنا فقط يأتي الزلزال.
لكن ليس ذاك الذي يهدم المدن ويبعثر الناس.
بل الزلزال الذي يهزّ الفكرة.
الذي يشقّ الصمت.
الذي يجعل الإنسان يرى وجهه الحقيقي دون أقنعة.
وجود سينان وأمثاله ليس صدفة.
إنه إشعار بأن الأرض تتحرك تحت السطح.
أن الليل، مهما طال، يستنزف نفسه.
أن البذور تنام طويلًا، لكنها لا تنسى موعدها مع الضوء.
ولعل الزمن الذي ننتظره، لا يأتي ضجيجً هههههههها، بل يبدأ همسًا.
همسًا يشبه ما يكتبه سينان، وما يكتبه كل من حمل الوعي جمرةً في صدره.
فالنهضة، يا صديقي، لا تبدأ بالعاصفة.
بل تبدأ بكلمة.ٕٕ؟
