د.نادي شلقامي
تمر علينا ذكرى رحيل الكاتب الصحفي الكبير موسى صبري، الذي لم يكن مجرد صحفي عابر، بل كان مدرسة قائمة بذاتها في فن الخبر، وصناعة المانشيت، والتحليل السياسي. بأسلوبه الرشيق وقلمه الذي جمع بين حدة المشرط ونعومة الحرير، استطاع صبري أن يحجز لنفسه مكاناً ثابتاً في ذاكرة الصحافة المصرية، ليبقى واحداً من أبرز “صبيان” مصطفى وعلي أمين الذين تفوقوا وأصبحوا أساتذة في بلاط صاحبة الجلالة.
أولا…النشأة والبدايات
ولد موسى صبري في مدينة أسيوط بصعيد مصر في عام 1925. نشأ في بيئة تقدّر العلم والثقافة، وظهرت عليه علامات النبوغ وحب القراءة منذ الصغر، مما صقل لديه موهبة التعبير ولغة عربية رصينة مكنته لاحقاً من خوض غمار الكتابة الصحفية والأدبية باقتدار.
ثانيا…الدراسة والتخرج
انتقل موسى صبري إلى القاهرة ليلتحق بـ كلية الحقوق بجامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حالياً)، وحصل منها على درجة الليسانس في عام 1944. ورغم أن دراسته كانت قانونية، إلا أن شغفه الأول كان الصحافة، حيث وجد فيها المنبر الذي يعبر من خلاله عن آرائه وقضايا مجتمعه.
ثالثا..المشوار المهني واشتغاله بالصحافة
بدأ صبري حياته المهنية في ظروف سياسية عاصفة، وعمل في بداياته مع الأستاذ محمد زكي عبد القادر في مجلة “الفصول”، ثم انتقل للعمل في عدة صحف منها “الأساس” و”الزمان”.
لكن النقلة النوعية في حياته كانت انضمامه إلى مؤسسة أخبار اليوم، حيث تتلمذ على يد العملاقين “مصطفى وعلي أمين”، اللذين اكتشفا فيه قدرات صحفية استثنائية، فبرع في تحويل الخبر الجاف إلى قصة إنسانية وقضية رأي عام.
رابعا…رئاسة تحرير أخبار اليوم
بلغ موسى صبري ذروة مجده المهني بتوليه رئاسة تحرير جريدة الأخبار ورئاسة مجلس إدارة مؤسسة أخبار اليوم. خلال تلك الفترة، شهدت المؤسسة طفرة كبيرة، وكان قريباً من دوائر صنع القرار، خاصة في عهد الرئيس الراحل محمد أنور السادات، حيث كان يُنظر إليه كواحد من أهم المقربين والمدافعين عن سياسة الدولة آنذاك، وصاحب قلم يقرأه الجميع ليعرفوا كواليس السياسة المصرية.
خامسا…تفاصيل علاقته بالرئيس السادات (الصحفي والرئيس)
لم تكن علاقة موسى صبري بالسادات مجرد علاقة صحفي برئيس دولة، بل كانت “تحالفاً فكرياً” وصداقة مقربة أثارت الكثير من الجدل:
1- كاتب الخطابات: كان موسى صبري هو “قلم السادات” المفضل، حيث شارك في صياغة الكثير من خطاباته التاريخية، وكان السادات يثق في قدرته على تحويل الأفكار السياسية إلى جمل رنانة تصل لقلب المواطن البسيط.
2- كاتب مذكرات السادات: كلفه الرئيس السادات بكتابة مذكراته “البحث عن الذات”، وكان صبري هو من وضع الصياغة النهائية لهذا الكتاب العالمي الذي تُرجم للغات عدة.
3- المستشار الإعلامي غير الرسمي: كان السادات يستشيره في كيفية عرض القرارات الكبرى (مثل مبادرة السلام) على الرأي العام عبر صحيفة “الأخبار”.
4-الدفاع المستميت: لُقب موسى صبري بـ “محامي السادات” نظراً لدفاعه الشرس عن سياسات السادات، خاصة سياسة “الانفتاح” ومعاهدة “كامب ديفيد”، مما عرضه لانتقادات حادة من المعارضة في ذلك الوقت.
كتابه “السادات.. الحقيقة والأسطورة”: بعد رحيل السادات، أصدر موسى صبري هذا الكتاب ليوثق فيه كواليس الحكم وعلاقته الشخصية بالرئيس، مدافعاً عن إرثه ضد المهاجمين.
سادسا… أعماله الأدبية (بين الصحافة والرواية)
رغم انشغاله بالسياسة والصحافة اليومية، كان موسى صبري أديباً بارعاً، وامتازت أعماله بالتركيز على الجوانب الإنسانية والاجتماعية، وتحول الكثير منها إلى أعمال سينمائية:
1. الروايات والقصص:
– الجبان والحب: من أشهر رواياته التي تحولت إلى فيلم سينمائي، وتتناول صراعات النفس البشرية بين الضعف والعاطفة.
– دموعي ولوعتي: رواية اجتماعية حققت نجاحاً كبيراً.
– عشاق تحت العشرين: تناولت قضايا الشباب والمراهقة في تلك الفترة.
– الصحفي الملعون: رواية تعكس بعضاً من كواليس مهنة المتاعب.
– وثاقب قلب: عمل أدبي يبرز قدرته على التحليل النفسي للشخصيات.
2. الكتب التوثيقية والمذكرات (وهي أهم إنتاجه الفكري):
– 50 عاماً في قطار الصحافة: كتاب لا غنى عنه لأي دارس للإعلام، يروي فيه رحلته منذ البداية في أسيوط وصولاً لقمة مؤسسة أخبار اليوم، ويحكي فيه أسرار معاركه الصحفية.
– قصة ملك و3 ورثاء: يتناول فيه تاريخ الأسرة العلوية ونهاية الملكية في مصر.
– وثائق حرب أكتوبر: كتاب توثيقي جمع فيه تفاصيل عسكرية وسياسية هامة عن الحرب.
سابعا…التكريمات
نظير عطائه الممتد لعقود، حصل موسى صبري على العديد من التكريمات، أبرزها:
1- وسام الجمهورية من الطبقة الأولى.
2- جوائز تقديرية في مجال الصحافة والأدب، تقديراً لدوره في إثراء الحياة الثقافية والسياسية في مصر.
ثامنا..الوفاة
رحل موسى صبري عن عالمنا في 8 يناير 1992، بعد صراع مع المرض، تاركاً وراءه فراغاً كبيراً في عالم الصحافة، وتاريخاً حافلاً من المعارك الفكرية والمواقف السياسية التي ستظل مادة غنية للدراسة والتحليل.
وختاما…فإن ذكرى رحيل موسى صبري هي استعادة لزمن “العمالقة” في الصحافة المصرية. لقد كان رجلاً يعرف قيمة الكلمة وخطورتها، واستطاع بذكائه المهني أن يربط بين الصحافة كرسالة وبينها كصناعة متطورة. يبقى موسى صبري رمزاً للإخلاص للمهنة، ومثالاً للصحفي الذي لم يتقاعد يوماً عن البحث عن “الخبر” حتى اللحظات الأخيرة من عمره.
