كتب م / رمضان بهيج
في ذكرى يوم ميلادى، تتحول الأرقام إلى حكايات، والسنوات إلى مشاهد سينمائية تمر أمام عيني. ، فالحياة بالفعل تشبه الفصول، ولكل فصل لونه وعطره الخاص.
خريف العمر: حين تصبح السنوات مجرد لحظات
خلف كل شمعة تُطفأ في ذكرى الميلاد، تكمن قصة طويلة من الركض خلف الأحلام. يبدأ الأمر بطفولة بريئة، حيث كان الوقت شاسعاً واليوم يمر كأنه دهر، والذكريات تتناثر هناك كقصاصات الورق الملون؛ ضحكة في زقاق قديم، ودمعة على لعبة مكسورة، وشوق لا ينتهي لاكتشاف ما وراء الأفق.
من عنفوان الشباب إلى هدوء الخريف
ثم تأتي مرحلة الشباب، ذلك الصيف الصاخب الذي نركض فيه بكل قوتنا، نحارب المستحيل، ونظن أن العمر ملك أيدينا. وفي غمرة الانشغال بالبناء والبحث عن الذات، يسرقنا الوقت. وفجأة، نجد أنفسنا في “مرحلة الخريف”، حيث تهدأ الرياح وتبدأ الأوراق بالتحول إلى اللون الذهبي.
مفارقة الزمن: طويل في المعايشة، قصير في الذاكرة
من أغرب مشاعر الإنسان في يوم مولده هو ذلك التناقض العجيب؛ كيف لهذا العمر الطويل، بكل ما فيه من سهر وتعب ونجاح وإخفاق، أن يتلخص في ذهننا كأنه “لحظات من وقت قصير”؟
الطفولة: كانت حلماً بعيداً.
الشباب: كان ومضة سريعة.
الحاضر: وقفة تأمل في جمال النضج.
إن الخريف ليس ذبولاً، بل هو مرحلة الحصاد. هو الوقت الذي ننظر فيه إلى الماضي لا بحزن على ما فات، بل بامتنان للرحلة التي جعلت منا ما نحن عليه اليوم. إن قصر الوقت في ذاكرتنا ليس دليلاً على ضياعه، بل هو دليل على أننا عشنا لحظات مكثفة من الشعور جعلت السنين تذوب في بوتقة الروح.
”العمر ليس مجرد عداد للأيام، بل هو رصيد من اللحظات التي مست قلوبنا.”
رسالة إلى نفسي.. في خريف العمر الجميل
إلى “أنا” التي عبرت مسافات الزمن:
في هذا اليوم، وأنا أقف على أعتاب سنة جديدة من عمري، لا أريد أن أحصي الأرقام، بل أريد أن أحتضن الذكريات. انظر إلى المرآة ولا أرى مجرد ملامح تغيرت، بل أرى خارطة طريق رسمتها الأيام؛ أرى ذلك الطفل الذي لا يزال يسكن أعماقي بفضوله، والشاب الذي خاض المعارك بتهوره وشجاعته.
عذراً يا نفسي..
إن كنت قد قسوتُ عليكِ يوماً في زحام الحياة، أو حمّلتكِ فوق طاقتكِ بحثاً عن كمالٍ زائف. اليوم أدرك أن تلك “اللحظات السريعة” التي مرت كانت هي الحياة الحقيقية، وليست الغايات التي كنت أركض خلفها.
شكراً يا نفسي..
لأنكِ صمدتِ في وجه العواصف، ولأنكِ عرفتِ كيف تزهرين حتى في الفصول الجافة. شكراً لأنكِ جعلتِ مني شخصاً يقدّر قيمة الهدوء في خريف العمر، بعدما كان يعشق ضجيج الصيف.
وصيتي لنفسي في القادم:
لا تندم: فكل تجربة جعلت رؤيتك للأشياء أعمق وأوضح.
استمتع بالتفاصيل: فالجمال الآن يكمن في كوب قهوة هادئ، أو جلسة تأمل، أو ذكرى طيبة تمر بالخاطر.
عِش بامتنان: فرغم طول الرحلة، لا يزال في القلب متسع لأحلام جديدة، حتى وإن كانت أبسط وأهدأ.
أنتِ اليوم لستِ أكبر سناً فحسب، بل أنتِ أغنى روحاً وأكثر حكمة. كل عام وأنا في سلام مع ذاتي، وكل عام وذكرياتي هي رفيقي الأوفياء.
