عبد الحفيظ يونس
تحدّثهم عن الفن فيحدّثونك عن الجن، وعن الانفتاح فيجرّونك إلى النكاح، وعن التفكير فيلوّحون بالتكفير، وعن الحرية فيغوونك بالحورية.
تحدّثهم عن الجمال فيخنقونك بالبخور، وعن المشاعر فيفتحون لك المقابر، وعن الحياة فلا يرون سوى الموت.
هذه المفارقات ليست لغوية عابرة، بل تعبير عن عقل متطرّف لا يرى الإنسان إلا مشروع جنازة، ولا يفهم الوجود إلا من زاوية الفناء. فالتطرف لا يعادي الفن والتفكير لأنهما “محرّمان”، بل لأنهما يحرّران، ويكسران منطق الخوف الذي تقوم عليه سلطته.
حين أدرك العالم، بعد تجارب مريرة، أن هيمنة الكهنة على السياسة أفسدت الحياة، أبعدهم عن الحكم، وأعاد الدين إلى مجاله الروحي، وأسند شؤون الدولة إلى العقل والمعرفة. فكانت النتيجة تقدّمًا وكرامة إنسانية.
أما نحن، ففعلنا العكس: صنعنا من الدجالين أبطالًا، وشيطنّا المفكرين، ورفعنا الجهل إلى مرتبة الفضيلة.
ثم نستغرب تخلّفنا عن الأمم، ونبحث عن شماعة نعلّق عليها فشلنا، فنلجأ إلى خطاب المؤامرة والحسد، بدل مواجهة العطب الحقيقي في وعينا وخياراتنا.
كشف التيارات المتطرفة لا يكون فقط بإدانة عنفها، بل بتعرية منطقها الذي يستبدل الحياة بالموت، والعقل بالخرافة، والإنسان بالخوف. فالمعركة اليوم ليست بين إيمان وكفر، بل بين عقل يفتح أبواب المستقبل، وظلام لا يعرف سوى المقابر.
