ــجميلة عبسي ــ
♡ في الغربة، يطول الصمت أحيانا، لا لأن الشغف خفت، بل لأنه كان ينضج.
أعود اليوم بنصّ، كما أعود دائما…
من حيث تبدأ الكتابة.
وراء كل باب مغلق، زهرة لا تزهر إلا في العتمة.
~ تزهر في عتمة اللّيل~
عدتُ، وفي دمي شهوة عناق لم تكتمل،
كثمرة خضراء نضجت في الظّل،
ورفضها الضوء لأنّها أحبّت العتمة.
عدتُ، وعلى صدري عناقيدُ ضمّ جافة، لم يهبها دفءُ يديك ماء الحنين.
عدتُ، والأرض ما زالت تدوّر أسرارها،
لكن رأسي كان يدور في مدار آخر،
يسقط من أبراج أنفاسك العالية
ولا يبلغ الأرض.
عدتٌ، ولم أُتّم طقوس الولاء،
والرغبة الجامحة لم تذبح قرب أعتابك،
بل ظلّت تثور كحصان يركض في حلم لا يعرف النهاية.
عدتُ، وفي حنايا القلب أريج أنفاسك يسكب خمره،
ورعشة القُبل تتدلّى من ذاكرتي كلما رشفتُ جرعة من نبضك.
عدتُ، أتحسّس أطرافي، كأنني تركتها سهوا
على سلالم محرابك،
حين انحنى العاشق في صلاته،
لا ليُصلي، بل ليُعيد خلق نفسه من رمادك.
ظننتُ أنني على حافة النسيان،
أتساءل :
ماذا كان هناك؟
وراء الأبواب؟
سرّ الخرافة ما زال مختبئا،
والحممُ الحارقة ما زالت تتدلّى كنصوص غير مكتملة
على جدران جسدي.
وفي تلك اللحظة، خلف الأبواب،
حين شهقت طيور الظلام،
ابتلعت يداك آخر مسافات الهرب،
واكتسحت عناقيد الليل المتدلية،
تجعلها تزهر كما يزهر السرّ حين يقال همسا في حضرة من يفهم.
كأنها أمسية الأحجية، أو ليلة الأسطورة.
طيور الظلام
سافرت في أجسادنا، امتصّت دماءنا الثائرة،
ثم شهقت بعيدا،
وتركت قلبي يتيما
الا من تلك اللحظات، خلف الأبواب،
حين سرق العمر
وميض حياة لا يُسترد.
جميلة_عبسي
دبي 12 اكتوبر 2025
شاعرتنا جميلة عبيي

نصٌّك مشغول على نارٍ هادئة، يجيء من الغربة لا بوصفها بُعدًا جغرافيًا، بل بوصفها حالة تخمير داخلي، حيث الصمت ليس انقطاعًا بل طورًا من أطوار النضج. القصيدة تتحرّك كلّها على فعل «العودة»، وهذا التكرار ليس زخرفًا لغويًا، بل إيقاعٌ نفسيّ يرسّخ الإحساس بالدوران حول مركز واحد: باب مغلق، عتمة حاضنة، ورغبة لم تجد طقس اكتمالها.
اللغة هنا حسّية إلى حدّ التورّط الجميل؛ العناق، العتمة، الخمر، القُبل، الحصان الجامح… صور تتكاثف دون ابتذال، وتُدار بوعي شعري يجعل الجسد استعارة للذاكرة، والذاكرة محرابًا يُعاد فيه خلق الذات. اللافت أنّ الضوء لا يُقدَّم بوصفه خلاصًا، بل كقوّة إقصاء، بينما تُمنح العتمة حقّ الاحتضان والإنبات، في انقلاب دلالي ذكي يحرّر القصيدة من الثنائيات الجاهزة.
ثمّة توتّر خلاق بين المقدّس والعاطفي: الصلاة، المحراب، طقوس الولاء، تُستدعى لا لتكريس الطهر، بل لإعادة تعريفه بوصفه شغفًا عارفًا، وشهوة لا تُذبح بل تُترك لتثور. وهنا تتجلّى جرأة النص، لا في التصريح، بل في طريقة المزاوجة بين الرمز الإيروسي والبعد الصوفي دون أن يسقط في الفجور أو الادّعاء.
أما «الأبواب» فهي قلب القصيدة السرّي: عتبة بين القول والكتمان، بين الأسطورة واللحظة، بين ما يُعاش وما لا يُستَر. وحين تُفتح، لا تُفضي إلى يقين نهائي، بل إلى ومضة حياة مسروقة، خاطفة، لكنها كافية لتبرير كل هذا النزف الجميل.
قصيدة تُقرأ ببطء، لأنّها لا تمنح أسرارها دفعة واحدة، بل وتُزهر فعلًا… في عتمتها.
يونس عبد الحفيظ منه
