بقلم د.نادي شلقامي
بين صليل السيوف وصرير الأقلام، انبثقت ظاهرةٌ إبداعية لم تقف عند حدود الحبر، بل جاوزته لتكتب بدمائها فصلاً ختامياً لملحمةٍ وطنيةٍ وإنسانيةٍ كبرى. يوسف السباعي؛ ذلك الفارس الذي ترجل عن جواده العسكري ليمتطي صهوة الكلمة، لم يكن مجرد قاصٍّ ينسج خيوط الغرام، بل كان “جبرتيَّ” العصر الحديث الذي قرأ نبض الشارع المصري، واعتصر أوجاعه في قوالب أدبية تراوحت بين السخرية اللاذعة والرومانسية الحالمة. إننا أمام سيرةٍ لم تبدأ بالكلمة لتنتهي بالصمت، بل بدأت بالرؤية وانتهت بالشهادة، مخلفةً وراءها إرثاً عصياً على النسيان ورصاصاتٍ غادرة لم تقتل الفكرة، بل منحتها الخلود في ذاكرة الأمة.
أولا…. بدايات أدبية من رحم الأسرة..
(الوريث الذي صقل القلم بالحياة)
— ولد يوسف محمد عبد الوهاب السباعي في 17 يونيو 1917 بحي الدرب الأحمر بالقاهرة، في أسرة أدبية أثرت فيه مبكراً. والده، محمد السباعي، كاتب ومترجم، ترجم كتاب “الأبطال وعبادة البطولة” لتوماس كارلايل، وكان يرسل ابنه لجمع وتصحيح مقالاته في مجلة “البيان”.
— توفي الوالد عندما كان يوسف في الرابعة عشرة، مما أدى إلى حالة نفسية مضطربة استمرت عاماً، حيث تخيل عودته. أكمل يوسف قصة والده “الفيلسوف” ونشرها عام 1957 بتقديم من طه حسين، في إشارة مبكرة إلى موهبته.
— بدأ مسيرته الأدبية في المدرسة الثانوية بشبرا عام 1934، بنشر أول قصة “فوق الأنواء” في مجلة مدرسية، ثم “تبت يدا أبي لهب وتب” في “مجلتي” عام 1935 إلى جانب طه حسين.
— بعد تخرجه من الكلية الحربية عام 1937، جمع بين العسكرية والأدب، حيث أصبح مدرساً للتاريخ العسكري عام 1943، ومديراً للمتحف الحربي عام 1949.
— أسلوبه السلس الساخر، كما وصفه توفيق الحكيم بـ”سهل عذب باسم ساخر”، يرمز إلى عيوب المجتمع المصري، ويجعله “أديب الحياة والسوق” كما قال محمد مندور، بعيداً عن البرج العاجي.
— انتقدت بنت الشاطئ أخطاءه اللغوية المبكرة، لكنها اعترفت بتطوره في “أرض النفاق”.
ثانيا…الإرث الأدبي: روايات تحولت إلى أيقونات سينمائية وثقافية
— أنتج السباعي أكثر من 50 عملاً، بما في ذلك 16 رواية، 22 مجموعة قصصية، ومسرحيات. تركز أعماله على الرومانسية، النقد الاجتماعي، والوطنية، محولاً إياها إلى أفلام ناجحة شارك فيها نجوم كبار. من أبرزها:
1- أرض النفاق (1949): رواية ساخرة تنتقد النفاق الاجتماعي، تحولت إلى فيلم بطولة فؤاد المهندس وشويكار، حيث يبيع عطار الأخلاق كعقار، في استعارة بليغة لفساد المجتمع.
2- السقا مات (1952): أيقونة فلسفية عن الموت والصداقة، تحولت إلى فيلم، وتدور حول “المعلم شوشة” الذي يهرب من ذكرى زوجته، لكن الموت يطارده في شخصية غامضة.
3- رد قلبي (1954): وثيقة أدبية لثورة يوليو، تحولت إلى فيلم أسطوري بطولة شكري سرحان ومريم فخر الدين، تسجل سقوط الملكية وصعود الجمهورية.
4- أعمال أخرى: “إني راحلة (1950)”، “بين الأطلال”، “نحن لا نزرع الشوك (1969)”، “العمر لحظة (1973)”، ومسرحيات مثل “أم رتيبة (1951)” و”أقوى من الزمن (1965)”.
— تأثيره على الأدب العربي عميق؛ وصفه غالي شكري بـ”ظاهرة اجتماعية” في كتاب “الفكر والفن في أدب يوسف السباعي”، حيث يجسد الواقعية الرمزية برؤية سياسية اجتماعية.
— حاز جوائز مثل جائزة الدولة التقديرية في الآداب (1973)، جائزة لوتس (1974)، جائزة لينين للسلام (1970)، ووسام الجمهورية.
— ساهم في إصدار مجلات مثل “الرسالة الجديدة” و”القصة”، ورعى الأدباء كرئيس للمجلس الأعلى للفنون.
ثالثا… المناصب السياسية..
(من العسكرية إلى الثقافة، طريق نحو السلام)
— تدرج السباعي في المناصب: سكرتير عام المجلس الأعلى للفنون (1956)، سكرتير عام منظمة التضامن الأفرو-آسيوي (1959)، رئيس تحرير “آخر ساعة” (1965)، رئيس دار الهلال (1971)، وزير الثقافة (1973-1975)، نقيب الصحفيين (1977).
— رافق السادات في زيارة القدس (1977)، داعماً مبادرة السلام، مما جعله هدفاً للمتطرفين. وصف توفيق الحكيم دوره بـ”رائد الأمن الثقافي”.
رابعا…الاغتيال الغادر..
( رصاصة في قلب السلام)
— في 17 فبراير 1978، وصل السباعي إلى نيقوسيا لحضور المؤتمر السادس للتضامن الأفرو-آسيوي. — صباح 18 فبراير، في فندق هيلتون، أطلق رجلان (فلسطيني وعراقي) من منظمة أبو نضال ثلاث رصاصات في رأسه أثناء قراءته مجلة، بسبب تأييده للسلام مع إسرائيل.
— احتجزا 30 رهينة، مطالبين بطائرة. أرسل السادات قوة خاصة (القوة 777) إلى مطار لارنكا دون تنسيق، مما أدى إلى مواجهة مع الجيش القبرصي، قتل فيها 15-20 مصرياً.
— حكم على القتلة بالإعدام في قبرص (أبريل 1978)، لكن الرئيس القبرصي أصدر عفواً بعد أشهر.
خامسا… التداعيات…
( قطيعة دبلوماسية وصدمة ثقافية)
— قطعت مصر علاقاتها مع قبرص، وأقيمت جنازة شعبية في القاهرة بحضور مبارك والجمسي.
–نفى عبد القادر ياسين تورط الفلسطينيين، لكن الصحافة المصرية اتهمت منظمة التحرير.
— أصبح الاغتيال أول ضحية بارزة لمبادرة السلام، ودرساً في التنسيق الدولي.
وختاما….وهكذا، انطوت صفحة “فارس الرومانسية” بجسده، لكنها ظلت مشرعةً بروحها وتأثيرها. لقد أثبت يوسف السباعي أن الكلمة حين تؤمن بالحق تصبح أقوى من هدير المدافع، وأن الأديب ليس مجرد حكّاءٍ للأساطير، بل هو مقاتلٌ في خندق التنوير.
إن اغتياله لم يكن مجرد تصفية لسياسي، بل كان محاولة بائسة لوأد “الأمن الثقافي” الذي نادى به. رحل السباعي وبقي “السقا” شاهداً على أن الموت حق، لكن الخلود لمن ترك خلفه أثراً لا يمحوه الرصاص.
سيظل اسمه محفوراً في وجدان الأمة، ليس كضحية لغدر سياسي فحسب، بل كمنارةٍ أدبية علمتنا أن “العمر لحظة” وأن الكرامة والوطنية إرثٌ لا يموت بطلقة، بل يزهر في قلب كل جيل يقرأ “رد قلبي” فيستعيد نبض الحقيقة.
