بقلم د.نادي شلقامي
— حينما يغتال “الكادر” قدسية “المحراب” الرمضاني
في ملكوتِ شهرٍ تصفو فيه الأرواح، وتغتسلُ القلوبُ بمياهِ الطاعة، يحلُّ رمضانُ على البيوت المصرية حاملاً معه نسمات الروحانية والفرحة العائلية، ليكتمل المشهد بعدها بالتجمع العائلي الأكبر أمام شاشات التلفزيون.
غير أن هذا المشهد الذي طالما كان بهجة، استحال في الآونة الأخيرة إلى “غصةٍ” في حلق الهوية، ومصدر قلق ووجع حقيقي للعائلات المصرية.
إننا أمام مفترق طرقٍ وجودي؛ فبدلاً من أن تكون الدراما مرآة تعكس القيم النبيلة، وأداة لبناء الوعي وتصحيح المفاهيم، تحول بعضها إلى “سلاح فتاك” يهدم الثوابت، ويخترق الأعراف المجتمعية، ويزرع الإيحاءات الجنسية المسمومة في عقول النشء والشباب.
لم يعد الأمر مجرد مشاهد عابرة، بل بات “تلوثاً بصرياً وفكرياً” يُقدم تحت مسمى “الجرأة” أو “حرية الإبداع”. فهل آن الأوان لاسترداد وعينا المختطف، وصون أخلاقياتنا الدينية، والحفاظ على الأعراف التي تمثل جوهر الذات المصرية؟
أولاً… الآثار المدمرة للدراما الهابطة..
(تشريح الكارثة)
— لا يمكن اختزال تأثير الدراما في كونه مجرد “تسلية”، بل هو تأثير تراكمي يمتد ليعيد تشكيل وعي المجتمع وقيمه.
— فالدراما الهابطة لم تعد تكتفي بعكس الواقع، بل أصبحت تساهم في صناعة واقع موازٍ أكثر انحلالاً.
1. على الشباب المصري (الوقود والخزان الاستراتيجي للأمة):
1-1- التطبيع مع السلوك المنحرف: عندما يرى الشاب مشاهد البلطجة وتعاطي المخدرات والخيانات الزوجية تُقدَّم في قالب بطولي، تبدأ الحدود الأخلاقية لديه في التآكل، وتتحول هذه السلوكيات من “جريمة” إلى “موضة”.
1-2- تقزيم الأحلام: تحول حلم الشاب من النجاح والإبداع إلى حلم الثراء السريع عبر تجارة المخدرات التي باتت تحتل مساحات كبيرة في الأعمال الدرامية.
1-3- التشكيك في الثوابت: عندما تُهزأ من رجال الدين، أو تُشوه المفاهيم الدينية السليمة عبر إقحام أخطاء شرحية فادحة، يتزعزع إيمان الشاب بمرجعياته.
2- على البيت المصري (القلعة الحصينة):
2-1- تفكيك الأسرة: تركّز الدراما بشكل مريب على إظهار المرأة في صورة “اللعوب” والرجل في صورة “المتحرش”، مما يخلق حالة من فقدان الثقة وينشر ثقافة الطلاق.
2-2- إفساد الذوق العام: الألفاظ البذيئة والحوارات السوقية أصبحت جزءاً أساسياً، وكأن الغرض هو إفساد لغة الحوار داخل الأسرة المصرية التي عُرفت بالاحتشام.
2-3- ضياع القدوة: اختفت شخصيات الأب الحنون والأم المثالية، لتحل محلها نماذج مشوهة أصبحت خطراً على هويتنا.
3- على المجتمع ككل (النسيج المتماسك):
3-1- تمجيد الجريمة: تقديم البلطجي كبطل شعبي يشجع على الإجرام ويقلل من هيبة القانون.
3-2- طمس الهوية المصرية: اختفت أعمال الطبقة المتوسطة، وحلت محلها دراما “الكمباوندات” المعزولة، مما يخلق شرخاً مجتمعياً.
3-3- ترسيخ صورة ذهنية قاتمة: تصدير صورة مشوهة للعالم عن المصريين كشعب لا يعرف إلا العنف، مما يهدد “قوانا الناعمة”.
ثانياً: اقتصاديات القبح.. “التريند” مقابل القيم (إضافة تحليلية)
إن أحد أخطر أسباب هذا الانحدار هو “تغول المادة على القيمة”؛ حيث تحولت الدراما من رسالة سامية إلى “سلعة بائرة” تلهث خلف الآتي:
1- حمى “التريند” الرقمي: ملاحقة المشاهدات اللحظية عبر المشاهد الصادمة والمستفزة لضمان عقود الإعلانات، مما جعل “الفضيحة” معياراً للنجاح بدلاً من “الجودة”.
2- المنصات العابرة للحدود: ظهور منصات رقمية تنتج محتوى يتجاوز مقص الرقيب التقليدي، ويفرض قيمًا غريبة عن مجتمعنا تحت ستار “العولمة الفنية”.
ثالثاً…جبهات المواجهة..
( دور المؤسسات الرسمية)
1- الإعلام والرقابة:
— لا يقتصر دور وزارة الإعلام والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام وهيئة الرقابة على المصنفات الفنية على الرقابة القبلية، بل يمتد لوضع استراتيجية واضحة.
— يجب تفعيل الغرامات المالية الصارمة، وتشديد العقوبات على المخالفين، وليس فقط إصدار البيانات التحذيرية.
2- وزارة الداخلية (الإعلام الأمني):
— دورها محوري في رصد الأعمال التي تُمجد الجريمة وتُظهر الثأر كحل للمشكلات.
— إن تصحيح صورة رجال الشرطة وإبراز دورهم البطولي في حماية الوطن هو واجب وطني وأخلاقي لمواجهة القوالب التقليدية السلبية.
3- الأزهر الشريف وعلماء الدين:
— باعتباره الضامن للثوابت، يتمثل دوره في تقديم الاستشارات لتجنب الأخطاء الشرعية (مثل الأحاديث الخاطئة)، ومراجعة الأعمال التاريخية، وتقديم خطاب إعلامي وسطي يواجه التأثير السلبي للدراما الهابطة.
رابعاً…. مثلث الإنقاذ.. المجتمع والأسرة والإعلام
1- الإعلام والمؤثرون: عليهم فضح الأعمال الهابطة بنقد موضوعي، وتشجيع المحتوى الهادف لخلق حالة من التنافس الإيجابي.
2- الآباء والأمهات (القلعة الأخيرة): تبدأ المواجهة بالرقابة الذكية، والحوار الأسري المستمر لشرح الفرق بين الواقع والخيال، وتعزيز القيم التي لا تستطيع أي شاشة هدمها.
3- المبدعون (نداء الضمير): دعوة الكتاب للعودة لمدرسة “الواقعية الراقية” التي تشرّح مشاكل المجتمع بعمق (مثل مدرسة أسامة أنور عكاشة) دون ابتذال.
— في استعادة الروح ومحراب الإبداع
في ختام هذا البيان، نؤكد أن الأوان لم يفت، لكنَّ الجرحَ قد غارَ في جسدِ الوعي. إن الدراما المصرية ليست مجرد “تسجيلٍ للحكايات”، بل هي “أمانةُ جيلٍ” وذاكرةُ أمةٍ تضرب بجذورها في أعماق التاريخ.
إن الفن الذي لا يبني الإنسان، هو معول هدمٍ يتنكر لرسالته، والدراما التي تبيع القيم من أجل “حفنةِ مشاهدات” هي تجارةٌ خاسرة؛ لأنها تربحُ المالَ وتغتالُ المستقبل.
إن تنقية الدراما هي دعوةٌ لاستعادة “الجمال المهدر”، وإحياءٌ لإبداعٍ يصافح العقل والقلب معاً، بقدسيةٍ تليقُ بجلالِ شهر رمضان، وبعظمةِ شعبٍ صانَ الأخلاق قبل أن يصون الأرض.
فلتتحول الشاشة من منصةٍ للخواء الأخلاقي إلى نافذةٍ للضوء والمعرفة، تعيد للبيت دفئه، وللشباب طموحه، وللمجتمع توازنه الرصين.
إنها معركةُ استنقاذِ الوعي، ولن ننتصر فيها إلا بضميرِ المبدع، وحزمِ الرقيب، ويقظةِ الأسرة.. لتعود الدراما المصرية كما كانت دوماً: منارةً للحق، وأستاذةً للعالم.
