بقلم : أحمد رشدي
ليست السعادة حدثاً عابراً يطرق الأبواب مصادفة، ولا جائزة يمنحها الحظ لقلة محظوظة، بل هي منظومة شعورية وفكرية معقدة تتشكل من تفاصيل صغيرة، وقرارات واعية، ونظرة مختلفة للحياة. إنها مهارة تُكتسب، ووعي يُبنى، وقدرة إنسانية يمكن تدريب النفس عليها حتى في أكثر الظروف قسوة.
السعادة في جوهرها ليست نوعاً واحداً. هناك سعادة آنية ترتبط بالمتعة واللحظة العابرة، كسعادة إنجاز مهمة أو لقاء عزيز، وهناك سعادة أعمق ترتبط بالمعنى والرضا، تلك التي تنبع من الشعور بالقيمة والجدوى والانتماء.
وبين هذين المستويين تتحرك حياة الإنسان، باحثاً عن توازن دقيق بين اللذة والمعنى.

علم النفس الحديث يميز بين سعادة المتعة وسعادة المعنى. الأولى تعتمد على التجربة الحسية والراحة، بينما الثانية ترتبط بتحقيق الذات وخدمة الآخرين وبناء العلاقات.
وتشير دراسات متعددة إلى أن السعادة الأكثر دواماً هي تلك المرتبطة بالمعنى لا بالمتعة فقط، لأنها تُغذي الإحساس الداخلي بالرضا والاستقرار.
أما أشكال السعادة فتتعدد بتعدد البشر. فهناك سعادة الإنجاز، وسعادة العلاقات، وسعادة الطمأنينة الروحية، وسعادة العطاء، وسعادة النمو الشخصي.

وكل إنسان يمتلك خريطته الخاصة للسعادة، لكن الخطأ الشائع هو انتظارها من الخارج فقط، بينما حقيقتها تبدأ من الداخل.
تذوق السعادة يحتاج إلى وعي بالتفاصيل. الامتنان مثلاً أحد أقوى مفاتيحها؛ فالإنسان الذي يلاحظ ما يملك يشعر بالوفرة حتى في القليل. وكذلك الحضور الذهني، لأن الانشغال الدائم يحرم الإنسان من الإحساس بلحظات بسيطة قادرة على منحه شعوراً عميقاً بالرضا.
إسعاد النفس ليس رفاهية بل ضرورة نفسية. يبدأ ذلك بالتصالح مع الذات، ووضع حدود صحية، والاعتناء بالجسد والعقل، والتخفف من المقارنات المستنزفة. كما أن منح النفس الإذن بالراحة والفرح دون شعور بالذنب خطوة أساسية نحو حياة أكثر توازناً.
أما إسعاد الآخرين فهو الطريق الأقصر لإسعاد الذات. تؤكد أبحاث علم النفس أن العطاء والسلوك الإيجابي يرفعان مستوى الرضا الشخصي بشكل ملحوظ. كلمة طيبة، دعم صادق، أو اهتمام بسيط قد يصنع أثراً نفسياً عميقاً يتجاوز التوقعات.
وعلى مستوى المجتمع، تصبح السعادة مشروعاً جماعياً. بيئة العمل العادلة، والعلاقات الإنسانية الصحية، وثقافة التقدير، كلها عوامل تصنع مجتمعات أكثر استقراراً وإنتاجاً.
فالسعادة ليست شأناً فردياً فقط، بل بنية اجتماعية تؤثر في الاقتصاد والإبداع وحتى الصحة العامة.

الدين أيضاً قدّم تصوراً عميقاً للسعادة يقوم على الطمأنينة لا المتعة فقط. فالسكينة والرضا واليقين مفاهيم مركزية في التجربة الروحية، وتشير إلى أن السعادة الحقيقية ليست في امتلاك كل شيء، بل في الرضا بما هو كائن والسعي لما هو أفضل دون قلق مفرط.
فالسعادة ليست وصفة جاهزة، بل علاقة مستمرة بين الإنسان ونظرته للحياة.
إنها قرار يومي بالانتباه لما يستحق، وبناء معنى، ومشاركة الخير، والقبول بأن الحياة لا تخلو من الألم، لكنها أيضاً لا تخلو أبداً من فرص الفرح.
السعادة لا تُنتظر… بل تُصنع.
