د. إيمان بشير ابوكبدة
في كل موسم رمضاني، تتصدر الدراما العربية المشهد بوصفها مساحة للمتعة والترفيه، لكن بعض الأعمال تتجاوز حدود الفن لتدخل في قلب الجدل السياسي والإعلامي. هكذا كان حال مسلسل «صحاب الأرض»، الذي لم يكد يُعلن عنه حتى وجد نفسه محورًا لتقارير في وسائل إعلام إسرائيلية، وردود فعل واسعة في الشارع العربي.
الإعلام الإسرائيلي: قلق من “السردية الأحادية”
تناولت صحف ومواقع إسرائيلية مثل يديعوت أحرونوت وتقارير في هيئة البث الإسرائيلية العمل بوصفه أكثر من مجرد مسلسل درامي. ركزت التغطيات على أن المسلسل يقدّم الحرب في غزة من منظور عربي خالص، ويعرض معاناة المدنيين الفلسطينيين بصورة مؤثرة، معتبرة أن ذلك يكرّس “رواية أحادية” لا تعكس وجهة النظر الإسرائيلية.
بعض التحليلات الإسرائيلية أبدت تخوفًا من التأثير الجماهيري الكبير للمسلسلات الرمضانية، خاصة مع احتمالية مشاهدة العمل من ملايين المتابعين في المنطقة، وهو ما يضاعف أثره العاطفي والرمزي.
الجمهور العربي: دراما إنسانية قبل أن تكون سياسية
في المقابل، جاءت ردود الفعل العربية مختلفة تمامًا. كثيرون رأوا في «صحاب الأرض» عملًا إنسانيًا يسلّط الضوء على معاناة المدنيين، بعيدًا عن الخطابات السياسية المباشرة. واعتبر متابعون أن من حق الفن العربي أن يعرض روايته للأحداث، خصوصًا حين تتعلق بقضايا تمس وجدان الشارع العربي.
بالنسبة لقطاع واسع من الجمهور، لم يكن المسلسل “هجومًا” بقدر ما كان “شهادة فنية” على واقع مأساوي، ورسالة تضامن مع ضحايا مدنيين في صراع طويل ومعقد.
صراع السرديات… من الميدان إلى الشاشة
ما يكشفه الجدل حول «صحاب الأرض» هو أن الصراع لم يعد عسكريًا أو سياسيًا فقط، بل أصبح أيضًا صراعًا على الرواية. من يملك حق سرد القصة؟ ومن يحدد زاوية الرؤية؟ الإعلام الإسرائيلي تعامل مع المسلسل بوصفه جزءًا من معركة الوعي، بينما رأى فيه جمهور عربي محاولة لإعادة التوازن إلى صورة يعتبرونها غائبة أو مهمّشة في الإعلام الدولي.
الدراما هنا لم تعد مجرد حبكة وشخصيات، بل صارت مساحة رمزية تعكس الانقسام العميق في قراءة الحدث نفسه. وبين من يراه “عملًا دعائيًا” ومن يراه “صرخة إنسانية”، يبقى المؤكد أن قوة الفن تكمن في قدرته على إثارة النقاش وتحريك المشاعر.
«صحاب الأرض» لم يشعل الجدل بسبب مشهد عابر أو حوار درامي فقط، بل لأنه لامس جوهر معركة أكبر: معركة السرد والتأثير. وفي زمن تتزاحم فيه الأخبار العاجلة، تبقى الدراما أحيانًا أكثر تأثيرًا من نشرات الأخبار، لأنها تخاطب القلب قبل العقل.
