بقلم : أحمد رشدي
ليست العلاقة بين صاحب العمل ومرؤوسيه مجرد عقدٍ يُوقَّع، أو راتبٍ يُدفع في نهاية الشهر؛ إنها معادلة دقيقة تتداخل فيها الحسابات الاقتصادية بالهواجس النفسية، وتتشابك فيها لغة الأرقام مع لغة الثقة.
وبين رغبة صاحب الشركة في تعظيم الربح وخفض التكاليف، وسعي الموظف إلى أجرٍ عادلٍ وأمانٍ وظيفي، تتسع فجوة صامتة قد تتحول إن أُسيء إدارتها إلى صراعٍ مكتوم ينهك الطرفين معًا.
من منظور صاحب العمل، تبدو الصورة واضحة: رأس مالٍ معرَّض للمخاطرة، سوقٌ متقلب، منافسةٌ شرسة، والتزاماتٌ مالية لا ترحم. ووفق مبادئ الاقتصاد الإداري، فإن أي مؤسسة تسعى بطبيعتها إلى تعظيم العائد وتقليل النفقات، وعلى رأسها بند الأجور الذي يُعد من أكبر عناصر التكلفة في كثير من القطاعات.

لذلك يفكر ربُّ العمل في الإنتاجية، والانضباط، وتحقيق أقصى استفادة ممكنة من كل موظف، خشية أن تتحول الشركة إلى كيانٍ مثقلٍ بالمصروفات وضعيف القدرة على المنافسة.
غير أن هذه النظرة، حين تُغلَّف بالريبة الدائمة، تخلق تصورًا سلبيًا مفاده أن الموظف قد يكون مصدر خسارة أو خيانة أو بحثٍ دائم عن عرضٍ أفضل.
وهنا يظهر ما يسميه خبراء الإدارة بـ”أزمة الثقة المؤسسية”، حيث تتحول العلاقة إلى مراقبةٍ مستمرة بدل أن تكون شراكةً قائمة على وضوح الأهداف وتوازن المصالح.
وعلى الضفة الأخرى، يقف الموظف وهو يرى نفسه الحلقة الأضعف في معادلة القوة. فهو يبيع جهده ووقته وخبرته مقابل راتبٍ يطمح أن يكفي احتياجاته ويحقق له قدرًا من الاستقرار. تشير دراسات سوق العمل إلى أن الأمان الوظيفي يُعد من أهم دوافع الرضا المهني،
وأن الشعور بالتهديد الدائم بالفصل أو الاستبدال يؤثر سلبًا في الإنتاجية والانتماء. لذلك يخشى الموظف أن يُستغنى عنه في أي لحظة، أو أن يُستبدل بآخر يقبل راتبًا أقل.
ومع تراكم الضغوط، قد يتولد لدى بعض الموظفين إحساسٌ بالظلم، خاصة إذا شعروا بأن جهودهم لا تُقدَّر أو أن أرباح الشركة لا تنعكس على تحسين أوضاعهم.

وهنا تتسع الفجوة أكثر، لأن غياب الشفافية في معايير التقييم والمكافأة يفتح الباب للتأويلات وسوء الظن.
في علم الإدارة الحديثة، تُعرف هذه الحالة بـ”تضارب المصالح البنيوي”، وهو ليس عيبًا أخلاقيًا بقدر ما هو نتيجة طبيعية لاختلاف المواقع والأدوار.
فصاحب العمل مسؤولٌ عن بقاء المؤسسة ونموها، والموظف مسؤولٌ عن حماية مستقبله ومعيشته. لكن الخطر يبدأ حين يتحول الدفاع المشروع عن المصلحة إلى شكٍّ دائم أو اتهامٍ ضمني.
والحقيقة أن التجارب الناجحة في كبرى المؤسسات العالمية أثبتت أن الاستثمار في رأس المال البشري ليس عبئًا، بل رافعة نمو. فحين يشعر الموظف بالعدل والتقدير، ترتفع إنتاجيته، وتقل معدلات الدوران الوظيفي، وتنخفض تكاليف التوظيف والتدريب.
وفي المقابل، حين يتفهم الموظف طبيعة المخاطر التي يتحملها صاحب العمل، يصبح أكثر وعيًا بأهمية الكفاءة والانضباط وتحقيق النتائج.
إن جوهر الأزمة ليس في الراتب وحده، ولا في هامش الربح فقط، بل في غياب رؤية مشتركة تُعرّف النجاح بوصفه مكسبًا للطرفين لا معركة صفرية. فالشركة التي ترى موظفيها مجرد تكلفة، تخسر ولاءهم. والموظف الذي يرى شركته خصمًا دائمًا، يفقد انتماءه.
وبين الطرفين يقف عنصر واحد قادر على ردم الفجوة: الثقة المبنية على الشفافية والعدالة.
لا يمكن إنكار أن صاحب العمل يسعى للربح، فذلك شرط بقاء المؤسسة. ولا يمكن لوم الموظف على طلب راتبٍ يكفل له حياةً كريمة. لكن حين تُدار العلاقة بعقلية الشراكة لا بعقلية الشك، تتحول المصالح المتعارضة إلى أهدافٍ متوازنة.
وتبقى الحقيقة الأوضح أن المؤسسة الناجحة ليست تلك التي تنتصر فيها الإدارة على الموظفين، ولا التي يفرض فيها العامل شروطه قسرًا، بل التي تدرك أن الاستقرار المهني والربحية الاقتصادية جناحان لا يحلق أحدهما دون الآخر. وبين الربح والأمان الوظيفي،
تولد المعادلة العادلة…
إذا صَدَقت النوايا وحَسُنت الإدارة.
