د/حمدان محمد
مع اقتراب شهر رمضان تتردّد على ألسنة كثير من الناس عبارات من قبيل
لا أشعر بروح رمضان كما كنت من قبل!
أين فرحة رمضان؟
زمان كان لرمضان طعم مختلف؟
فهل تغيّر رمضان أم تغيّرنا نحن؟
لقد كان السلف الصالح يستقبلون رمضان بالشوق والدعاء والرجاء وكانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلّغهم رمضان ثم يدعونه ستة أشهر بعد انقضائه أن يتقبله منهم لأنهم كانوا يدركون أن رمضان ليس مجرد شهر في التقويم بل محطة إيمانية للتزكية والتغيير والتوبة والعودة إلى الله
ويقول النبي صلى الله عليه وسلم
(إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين ومردة الچان)
لكن مع مرور الوقت تغيّرت ملامح استقبالنا لرمضان فزادت مظاهره الشكلية وتراجعت معانيه الروحية أصبح شهر المسلسلات والسهرات والطعام أكثر من كونه شهر القرآن والقيام والدعاء وكأننا حوّلنا موسماً إيمانياً عظيماً إلى مناسبة استهلاكية لا روح فيها
فكيف نستعيد طعم رمضان؟
الحقيقة أن الخلل ليس في رمضان بل في قلوبنا وفي طريقة استقبالنا له فالله سبحانه وتعالى يقول
(ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها)
ورمضان فرصة سنوية عظيمة لتزكية النفس وتطهير القلب وكسر الشهوات وإحياء الصلة بالله
ومن أهم مفاتيح استعادة روحانيته!
أولا/ إعادة ترتيب الأولويات
فرمضان ليس شهراً للترفيه ولا للإسراف بل شهر المغفرة والعتق من النار والتوبة الصادقة ويقول النبي صلى الله عليه وسلم
(من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)
ثانيا/ الصدق في العبادة
فكثيرون يؤدون العبادات في رمضان بصورة شكلية بلا خشوع ولا تدبر فلا يشعرون بحلاوة الطاعة ولا بلذة القرب من الله بينما المطلوب عبادة حاضرة القلب خاشعة الروح يتذوق صاحبها معنى الصلاة والقرآن والدعاء قال الله تعالى
(كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب)
ثالثا /التقليل من الملهيات
وكلما كثرت الشواغل والمعاصي والغفلة ضاعت بركة الشهر وربما يخرج الإنسان من رمضان بلا أثر حقيقي في قلبه أو سلوكه وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك بقوله
(رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر)
فإن فرحة رمضان الحقيقية ليست في الزينة ولا في موائد الإفطار الفاخرة ولا في كثرة السهرات بل في شعور العبد بقربه من ربه في سجدة صادقة في دمعة ندم في دعوة خالصة في جوف الليل في صفحة قرآن تُقرأ بقلب حي
وقد وعد الله من أخلص له في طاعته بحياة طيبة في الدنيا قبل الآخرة فقال سبحانه
(من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة)
فرمضان لم يتغير ولكن قلوبنا هي التي تغيّرت وربما أرهقتها الدنيا وأثقلتها الذنوب فاحتاجت إلى مراجعة وصدق رجوع
ورمضان فرصة لا تتكرر إلا مرة في العام فالسعيد من استعد له قبل دخوله وهيأ قلبه لاستقباله وأحسن استغلال أيامه ولياليه وخرج منه بقلب أنقى وروح أقرب إلى الله
فلنعد اكتشاف رمضان هذا العام ولنُصلح ما بيننا وبين الله يصلح الله ما بيننا وبين الحياة
نسأل الله أن يبلّغنا رمضان وأن يجعلنا فيه من عتقائه من النار وأن يغفر لآبائنا وأمهاتنا وأزواجنا وأبنائنا وكل عزيز علينا
