بقلم : أحمد رشدي
لم تكن الأخلاق يومًا موسمية، ولا القيم قابلة للتبديل وفق الأشخاص أو الظروف، لكن واقعنا المعاصر يكشف عن ظاهرة مقلقة يمكن وصفها بـ«الأخلاق المؤقتة»، حيث يُستدعى المبدأ حين يخدم المصلحة، ويُغيب حين يقيّدها. فيتحول العدل إلى مطلب انتقائي، والإنصاف إلى وجهة نظر، ويصبح الضمير أحيانًا خاضعًا لحسابات الربح والخسارة.
تظهر هذه الازدواجية بوضوح على مستوى الفرد، حين يرفض الإنسان الظلم إذا وقع عليه، لكنه قد يمارسه إذا امتلك القوة أو النفوذ. يطالب بالصدق من الآخرين، لكنه يبرر الكذب لنفسه تحت مسمى الضرورة.
يغضب من الإهمال حين يتضرر منه، بينما يتسامح مع تقصيره إذا كان المستفيد الوحيد منه. هنا لا تغيب القيم، لكنها تُعاد صياغتها بما يناسب اللحظة.
وتتجلى الأخلاق المؤقتة بشكل أعمق داخل الأسرة، حيث تتقاطع العاطفة مع المصلحة دون وعي. فالأم، على سبيل المثال، حين تزوّج ابنتها، تطالب زوجها بأن يتحمل كل الأعباء، وأن يقدّم دون حساب، معتبرة ذلك حقًا أصيلًا لابنتها. لكنها في المقابل، حين تزوّج ابنها، قد ترى أن القليل يكفي، وأن الزوجة المقبلة ينبغي أن تدفع أكثر وتتنازل أكثر، دون أن تشعر أنها تطبق معيارين مختلفين على الموقف نفسه.
ويمتد هذا التناقض إلى المعاملة والتوجيه. تطالب الأم ابنها بالسيطرة على تصرفات زوجته بدعوى الحفاظ على البيت، لكنها تنصح ابنتها بألا تسمح لزوجها بالسيطرة عليها، بدعوى الاستقلال والكرامة. في الحالتين، المبدأ واحد، لكن زاوية النظر تتغير بتغير موقع المصلحة، فتختل العدالة دون قصد، ويتعلم الأبناء أن القيم مرنة بحسب الانتماء.
وفي بيئة العمل، تتكرر الصورة بأشكال أكثر وضوحًا. مدير يطالب موظفيه بالالتزام والانضباط، لكنه يتغاضى عن تأخره أو تقصيره. مؤسسة ترفع شعار الشفافية، لكنها تمارس المحاباة في الترقيات.
زميل يرفض الخطأ حين يقع عليه، لكنه يتسامح معه إذا صدر منه أو من فريقه. هنا تتحول القيم إلى شعارات، تُرفع عند الحاجة وتُخفى عند المساءلة.
علم النفس يفسر هذه السلوكيات بما يُعرف بـ«التنافر المعرفي»، حيث يسعى الإنسان إلى تبرير أفعاله بدل تصحيحها، حفاظًا على صورته الذاتية. فيعيد تفسير القيم لتناسب سلوكه، لا العكس. ومع التكرار، يضعف الشعور بالذنب، ويعتاد العقل هذا الانفصال بين ما نؤمن به وما نمارسه.
أما الدين، فقد وضع معيارًا حاسمًا يقطع هذا التناقض من جذوره. فالقيم الدينية ثابتة لا تتغير بتغير الأشخاص أو المصالح. العدل عدل، سواء كان في صالحنا أو ضدنا،
والإنصاف واجب مع القريب قبل الغريب. وقد شددت النصوص الدينية على خطورة الكيل بمكيالين، واعتبرته من مظاهر الخلل الأخلاقي الذي يفسد القلوب ويهدم المجتمعات.
ويؤكد العلماء والمفكرون أن ازدواجية القيم من أخطر أسباب انهيار الثقة الاجتماعية. فالمجتمع الذي تُطبق فيه القيم بانتقائية، يفقد تماسكه، وتضعف فيه الروابط، ويصبح القانون وحده عاجزًا عن ضبط السلوك. فالقانون ينظم الظاهر، أما الأخلاق فتصنع الرقيب الداخلي.
إن الأخلاق المؤقتة لا تُنتج إنسانًا متوازنًا، بل فردًا مرتبكًا، يعيش صراعًا داخليًا بين ما يريده وما يعلنه. ولا تُنتج مجتمعًا قويًا، بل مجتمعًا هشًا تحكمه المصالح لا المبادئ.
والطريق إلى الخروج من هذا المأزق يبدأ بسؤال بسيط لكنه صعب: هل نطبّق ما نطالب به غيرنا؟ وهل نظل متمسكين بالقيم حين تتعارض مع مصلحتنا كما نتمسك بها حين تخدمنا؟
حين تصبح الإجابة واحدة في الحالتين، تكون الأخلاق قد استعادت معناها الحقيقي، لا كقناع مؤقت، بل كجوهر
ثابت لا يتبدل.
