د.نادي شلقامي
ألم الفراق من أقسى التجارب التي يمر بها الإنسان، وهو ابتلاء لا مفر منه. الإسلام، بكل تعاليمه السمحة، لم يتركنا تائهين في هذه المحنة، بل قدم لنا منهجًا متكاملًا للتعامل مع الفراق والصبر عليه.
1. الإيمان بقضاء الله وقدره
أولى خطوات تجاوز الفراق هي اليقين التام بأن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك. هذا المبدأ، المستمد من القرآن والسنة، هو أساس الصبر. يقول الله تعالى في سورة التغابن: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (التغابن: 11).
معنى ذلك: أن كل شيء يحدث هو بمشيئة الله وحكمته. هذا الفهم يمنحك السكينة، لأنك تدرك أن هذا الفراق جزء من حكمة أكبر قد لا تدركها الآن.
2. الدعاء والصلاة والاستغفار
الدعاء هو أقوى سلاح يمتلكه المؤمن. عندما تفقد عزيزًا، لا تستسلم للحزن بل الجأ إلى الله بالدعاء.
2-1- الدعاء للمتوفى: هذا ليس فقط من باب بره، بل هو أيضًا وسيلة لتفريغ مشاعر الحزن في طاعة. الدعاء للميت بالرحمة والمغفرة يجعلك تشعر أنك ما زلت متصلًا به وأنك تقدم له الخير.
2-2- الدعاء لنفسك: اطلب من الله أن يربط على قلبك ويثبتك، وأن يمنحك الصبر والسلوان.
3. الصبر واحتساب الأجر
3-1-الصبر في الإسلام ليس مجرد تحمل، بل هو عبادة يثاب عليها الإنسان. الرسول صلى الله عليه وسلم قال: “عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن: إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له.” (رواه مسلم).
3-2- احتساب الأجر: تذكر أن كل دمعة تسقط، وكل لحظة حزن تصبر فيها، مكتوب لك بها أجر عظيم عند الله. هذا الاحتساب يجعل المصيبة فرصة لزيادة الحسنات.
4. تذكر أن الموت حق وسنة الحياة
فراق الأحبة هو أمر طبيعي، فكل نفس ذائقة الموت. هذا المفهوم، رغم قسوته، يساعد على تقبل الواقع.
القرآن الكريم: يذكرنا الله تعالى بأن الحياة الدنيا زائلة، وأن الآخرة هي دار القرار. {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} (آل عمران: 185). هذا التذكير يقلل من حجم المصيبة في نظرك، ويجعلك تنظر للحياة بمنظور أوسع.
5. العمل الصالح باسم الفقيد
أفضل ما يمكن أن تقدمه لمن فقدته هو صدقة جارية أو عمل صالح يصل أجره إليه.
5-1-حديث الرسول: “إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له.” (رواه مسلم).
5-2-كيفية التطبيق: يمكن أن تكون الصدقة حفر بئر، بناء مسجد، كفالة يتيم، أو حتى وضع مصحف في مسجد بنية أن يكون في ميزان حسناته. هذا العمل يمنحك شعورًا بالاستمرارية والعطاء، ويخفف من شعورك بالعجز.
في النهاية، فراق الأحبة جزء من اختبار الدنيا، والمؤمن الحقيقي هو من يمر بهذا الاختبار بنجاح، متسلحًا بالإيمان والصبر والعمل الصالح. تذكر دائمًا أن الله أرحم بك من نفسك، وأنه لن يضيعك.
