بقلم: أحمد رشدي
في زمنٍ مضى،
كان وجود القدوة الحسنة أمراً طبيعياً في حياة الناس.
كنا نرى الأب مثلاً في الصدق والرحمة،
والأم نموذجاً للعطاء والصبر،
والمعلم رمزاً للعلم والخلق،
والعالم عنواناً للورع والزهد.
كانت القيم تُورَّث دون أن تُقال، لأن السلوك كان أبلغ من القول،
والفعل أصدق من الوعظ.
لكننا اليوم نعيش زمناً صار فيه القدوة عملةً نادرة.
لم يعد كثيرٌ من الناس يبحثون عمّن يقتدون به بقدر ما يبحثون عمّن يُرضي أهواءهم،
فتاهت البوصلة،
وضاعت الموازين بين الشهرة والقيمة، بين المظهر والمخبر.
فصار “المؤثر” قدوة، حتى وإن كان لا يحمل من العلم ولا الأخلاق إلا اسمه، وصار “القدوة الحقيقية” تُهمَّش لأنها لا تثير ضجيجاً ولا تسعى وراء الأضواء.
إن غياب القدوة الحسنة ليس مجرد ظاهرة اجتماعية، بل أزمة روحية وأخلاقية.
فالإنسان بلا قدوة يعيش في فراغٍ قيمي،
لا يجد ما يهديه إلى الصواب ولا من يذكّره بالثبات وقت الفتنة.
والأخطر أن الأطفال والشباب حين لا يجدون من يغرس فيهم معنى العطاء والإخلاص، يبحثون عن بدائل في عوالم وهمية وشخصيات مصطنعة تُقدَّم لهم عبر الشاشات، فتتشكل أجيال تحاكي ما ترى لا ما تُؤمن به.
لقد قدّم الإسلام نموذجاً فريداً للقدوة الحسنة في شخصية النبي محمد صلى الله عليه وسلم، حين قال الله تعالى:
{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}
فهو القدوة التي لا يغيب نورها مهما تعاقبت الأزمنة، والمعيار الذي يُقاس به صلاح القادة والمعلمين والآباء.
فمن أراد أن يكون قدوة، فليتخلّق بخلقه، وليتذكّر أن الأفعال تربية أعمق من الأقوال،
وأنّ من أراد أن يغيّر مجتمعه فليبدأ بنفسه.
غياب القدوة يعني غياب الاتجاه،
وحضورها يعني الأمان والاستقامة.
فكم من أمةٍ نهضت بقدوة واحدة، وكم من أمةٍ انهارت حين غاب عنها من يضيء الطريق.
ولعل أعظم ما نحتاجه اليوم ليس مزيداً من الخطباء والناصحين، بل مزيداً من النماذج الصادقة التي تُجسّد ما تقول،
فليست القدوة الحسنة مجرد كلمات تُقال أو مواعظ تُلقى،
بل هي نور يسكن القلوب قبل أن يسطع في العيون.
وحين يغيب هذا النور،
يتعثر الناس في ظلام القيم،
وتضيع الطريق مهما اتسعت السبل.
فلنكن نحن القدوة التي نبحث عنها،
ولنجعل من أفعالنا دعوة صامتة إلى الخير.
