الكاتب عبد الحفيظ يونس
ليس كل شاعرٍ كبيرٍ ابنَ الحظ، ولا كل صوتٍ أصيلٍ نال ما يستحقه من الضوء. فالتاريخ الأدبي مليء بأسماءٍ عاشت في الهامش لا لأن تجربتها ضعيفة، بل لأن المنابر كانت شحيحة، والصدفة كثيرًا ما انحازت لغير أهلها. ويونس علي واحدٌ من أولئك الشعراء المخضرمين الذين كتبوا بعمق التجربة لا بزخرف الشهرة، وحفروا أسماءهم في الذاكرة الشعبية أكثر مما حفروها في العناوين العريضة.
يونس علي، باختصار، شاعرٌ مخضرم كتب في جميع الأغراض؛ من الغزل إلى الصوفية، ومن الشعر الوطني إلى الاجتماعي، وكان شاعرًا شعبيًا بامتياز. سُجِّلت قصائده في الإذاعة الوطنية سنة 1965، في زمنٍ كان فيه الشعراء يُعدّون على الأصابع في المنطقة، وكان يومها شابًا ممتلئًا بالحلم،ج مؤمنًا بالكلمة بوصفها فعل مقاومة ووعي.
وقد عبّر عن فلسفته في الحياة بوضوح وبساطة لافتة حين قال:
أعيش حياتي ولن أستقيل
إذا اشتقتُ لٓيْها… أين البديل؟
جميلةٌ هيٓ، حقيرةُهٕيٓ
لأن أبقى حيًّا… فشيءٌ جميل.
لم يكن شاعرًا فحسب، بل كان واحدًا من مثقفي قرية مخادمة، تلك القرية الصغيرة التي لم يتجاوز عدد سكانها آنذاك الألف نسمة، لكنها احتضنت عقلًا قارئًا واسع الأفق. وفي ثمانينيات القرن الماضي، نشط في النادي الثقافي بدائرة طولقة، وأسهم في إحياء الفعل الثقافي المحلي، قارئًا ومناقشًا ومؤمنًا بأن الثقافة فعل خلاص جماعي.
وكان عشقه للحضارة المصرية جزءًا لا يتجزأ من تكوينه الثقافي. لم يرَ في مصر مجرد بلد، بل ذاكرة حضارية ممتدة. وحين سافر إليها مع بعض الأصدقاء، عاد محمّلًا بالكتب لا بالهدايا. وحين عاتبه أهله: بماذا أتيتنا من مصر؟ ردّ بجملة تختصر وعيه الثقافي:
«أأُتيكم بمصر كلّها؟ لقد عدتُ بنجيب محفوظ، والمازني، والعقاد، وطه حسين، وإبراهيم ناجي…».
وكانت رؤيته للثقافة صريحة وحادّة، كما تتجلى في قوله:
غيابُ الثقافةِ غيابْ
كلِّ شيء
هي النهايَه لشعبٍ غَبيّ
هي التحضّرْ لشعبٍ ذكٕي
فهل نتقدّمْ وحالُن مُظلمْ؟
فهذا مُحال لمن لا يعي؟
عاش يونس علي فقيرًا صابرًا، بوهيميّ النزعة، زاهدًا في زخارف الحياة، غير مكترثٍ بما يحمله الغد، لكنه حاز حبّ الجميع بصدقه وبساطته. وكان حضوره الدائم في مكتبة البلدية دليلًا على علاقته العضوية بالكتاب، لا بوصفه متعة فقط، بل ضرورة وجودية.
وفي تأملاته الوجودية، كان صوته مشبعًا بالحيرة والأسئلة الكبرى:
أفكّرُ بحالي وحالِ الوجود
فيا ابنَ آدمَ متى ستسود؟
متى ينتهي صراعُ الحياة
نبني سدودًا… ونهدم سدود؟
أما في شعره الصوفي، فقد تجلّت المفارقة الإنسانية بين السموّ والسقوط:
ما زال الإنسانُ زاهدًا في حُبّي
ما زال الإنسانُ صاحبَ غوايات
أخلقتُو أعلى صورتي… يا عجبي!
وَتْحولْ الْصِيفتْ الْحيوانات..
وفي الشعر الوطني، ظل نوفمبر حاضرًا بوصفه جرحًا حيًّا وذاكرة لا تهدأ:
نوفمبرُ…
جرحْيَا مايْ مازالْ إيفوّرْ
لا بدَّ يا خاوْتٍي نَخلفْ الثأرْ
نحمل السلاحْ لَٰوْرأسُ انكبر؟
هذي سبع اسنين طال الانتظار
قدّاه أنشهيدْ في مايْ الأغبرْ؟
أتقمص نوفَامبرْ وَابْدَا الاعصارْ
اليوم، وهو يصارع مرض الزهايمر، تبدو المفارقة موجعة: شاعرٌ عاش عمره يحرس الذاكرة، يداهمه النسيان. غير أن الوفاء الحقيقي يكمن في جمع ما تبقّى من أشعاره ومقالاته، وتوثيقها قبل أن يطويها الإهمال. إن إنصاف يونس علي ليس فعل حنين، بل واجب ثقافي، لأن الأمم التي تنسى شعراءها، تنسى جزءًا من روحها.
شهادة من استاذ مثقف المعي محمد عباس جلسة أمام مولانا علي يونس الكشكول
بحر الأنوار وعلاّمة الزمان . …يحدثني عن تاريخ نشأة أمريكا ودساتيرها ورؤسائها ..وانا أسأله عن الخلاص فيقول مافيهاش …
حفظ الله مولانا ..
رب
