نجده محمد رضا
في تاريخ الأنبياء قصص خالدة، تفيض بالحكمة والعبرة، وتكشف للإنسان كيف يمكن للمال أن يرفع أو يُهلك صاحبه ومن بين هذه القصص تتجلى قصة قارون، الذي عاش في زمن النبي موسى عليه السلام، وكان من قومه ومن أقرب الناس إليه نسبًا، إذ هو ابن عمّه، وكذلك من نسل هارون عليه السلام.
لكن هذا القرب لم يشفع له، لأن قلبه امتلأ بالغرور والطغيان، فكان عبرةً للأمم إلى يوم الدين.
نسب قارون وصلته بموسى وهارون
اتّفق المفسرون على أنّ قارون من سبط لاوي بن يعقوب عليه السلام، وهو السبط نفسه الذي انحدر منه موسى وهارون، أي أنّهم جميعًا من عائلة واحدة.
وقد كان قارون في بداية أمره رجلًا صالحًا، عالمًا في التوراة، فقيهًا في الدين، حتى عُرف بلقب “المنوَّر” من شدة جمال صوته في التلاوة. لكنّ الدنيا غلبته، فبدّل العلم بالغرور، والإيمان بالجبروت، وراح يتفاخر بثروته الضخمة التي جعلت الناس يفتنون به.
كنوز قارون التي أبهرت الناس
صوّر القرآن الكريم ثروة قارون تصويرًا بليغًا لا يُنسى
“إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ”
(سورة القصص – الآية 76)
أي أنّ مفاتيح خزائنه وحدها كانت تُثقل كاهل الرجال الأقوياء، فما بالك بما تحتويه تلك الخزائن من ذهب وجواهر ونفائس؟
وقد قيل إنّه كان يملك من الكنوز ما لم يُرَ مثله في زمانه، حتى صار أهل بني إسرائيل يفتنون بزهوه إذا خرج في موكبه المهيب، متبخترًا في ثيابه المزركشة وحُليّه الثمينة.
النصح الإلهي على لسان موسى عليه السلام
ولأنّ موسى عليه السلام كان نبيًّا وقريبًا منه نسبًا، حاول أن ينصحه برفق قائلاً
“وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ”
( سورةالقصص –الاية 77)
لكنّ قارون لم يسمع للنصيحة، وردّ بتحدٍّ وغرور
“إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي”
ظانًّا أن ذكاءه وتجارته وحدهما سبب ما وصل إليه من غنى، ناسيًا أن الله هو الرزّاق، وأنّ ما بيده إنما هو ابتلاء لا تشريف.
خروج قارون في زينته وفتنة الناس
ذات يومٍ خرج قارون على قومه في زينته، محاطًا بجنده وعبيده، مغطّى بالذهب من رأسه إلى قدميه، فانبهر الناس بمظهره، وقالوا
“يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ”.
لكنّ الفريق المؤمن من بني إسرائيل أدرك الحقيقة وقال:
“وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا”
فشتّان بين من يسعى لزينة الدنيا الزائلة ومن يطلب نعيم الآخرة الباقية
النهاية المروعة.. خسف الأرض بالمتكبّر
حين بلغ طغيان قارون أقصاه، وتمادى في كِبره، أرسل الله عليه عذابه في الدنيا ليكون عبرة للبشر من بعده.
يقول الله تعالى:
“فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ”
( سورة القصص –الآية81)
غاص قارون في الأرض بكل ما يملك من كنوز وقصور، حتى لم يُرَ له أثر. لم تنفعه أمواله، ولا جاهه، ولا قرابته من موسى وهارون.
وهكذا انقلبت النعمة نقمة، وصار رمزًا خالدًا لكل متغطرسٍ أغرته الدنيا.
العبرة الباقية للأجيال
إنّ قصة قارون مع أبناء عمّه موسى وهارون ليست حكاية عابرة، بل درسٌ خالد في أن النسب لا يغني عن صاحبه إن ابتعد عن طريق الإيمان، وأنّ الثروة بلا شكرٍ ولا تواضع قد تكون باب الهلاك.
فموسى وهارون عليهما السلام بلغا المجد بالرسالة والإيمان، بينما غرق قارون في مستنقع المال والغرور.
ولذلك بقيت قصته شاهدة على أن القلب إذا امتلأ بالدنيا فرغ من الآخرة.
نؤمن بأنّ قصة قارون ليست مجرد رواية دينية، بل هي مرآة تعكس واقعًا متكرّرًا في كل عصر.
فما أكثر “قوارين” اليوم ممن أغرتهم الأموال فظنّوا أنهم خالدون، وتناسوا أن الأرض التي حملتهم قادرة على أن تبتلعهم في لحظة.
إنّ الثروة في حقيقتها اختبار، لا مجدًا مؤبدًا.
فطوبى لمن جعل ماله في خدمة الناس، وسخر نعم الله في الخير، وسار على خطى الأنبياء لا على درب المتكبّرين.
