بقلم: خديجة ربيع “أسيرة القلم”
نقترب من داءٍ خفيٍّ يتسلل إلى النفوس فيحرقها قبل أن يصيب غيرها، داءٍ كان أول معصية في التاريخ، وأول شرارة أحرقت طريق الطاعة. إنه الحسد؛ نارٌ تشتعل في الصدر، فتأكل الحسنات، وتُطفئ نور الرضا.
قال تعالى: “الحاسد عدوٌّ لِنعمتي، متسخّطٌ لقضائي، غيرُ راضٍ بقِسمي التي قسمتُها بين عبادي.
وقال النبي ﷺ الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب.”
الحسد أولُ ذنبٍ عُصي به الخالق؛
فقد حسد إبليسُ آدمَ على منزلته، فاستكبر وقال: “أنا خيرٌ منه خلقتني من نارٍ وخلقته من طين.”
فكان الحسد أصلَ العصيان، وبابَ الشر الذي فُتح في وجه الطاعة.
ثم جرى هذا الداء في دماء البشر؛ فقتل ابنُ آدم أخاه حسدًا لما تقبّل الله قربان أخيه، فكانت أولَ دماءٍ تُراق على الأرض بنار الغيرة.
ثم ورثه إخوةُ يوسف عليه السلام، فحسدوه على محبة أبيهم، وقالوا: “اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضًا يخلُ لكم وجه أبيكم.”
فجمع الحسد بين الكفر والقتل والظلم، ولا يزال يُفسد القلوب ويزرع العداوة بين الإخوة والأحباب.
واعلم أن الحسد لا يكون إلا على نعمة، فإما أن تكرهها وتتمنى زوالها، وهو الحسد المحرَّم، وإما أن تتمنى مثلها دون أن تزول عن صاحبها، وهي الغبطة المشروعة.
قال ﷺ: “المؤمن يغبط، والمنافق يحسد.”
إن الحاسد لا يضرّ إلا نفسه، فهو يعيش في نارٍ لا تخمد، كلما رأى النعمة على غيره ازداد حُرقة وكمَدًا، بينما يزداد المحسود فضلًا وبركةً من ربّه، فسبحان من جعل الحسدَ عذابًا للحاسد ورحمةً للمحسود.
ودواء الحسد في مجاهدة النفس:فإن حملك على ذمّ غيرك، فاذكره بخير.
وإن أغراك بالتكبّر، فتواضع، وإن وسوس لك بالغيبة، فاستغفر، فالدواء مُرّ، لكن فيه شفاء القلوب، ومن صبر على مرارة الدواء، ذاق حلاوة الشفاء، علاج الحسد بما يرضي الله يبدأ من تزكية النفس ومراقبة القلب، فالحاسد لا يشفى حتى يعترف بدائه، ويعلم أن النعم بيد الله وحده.
وأول خطوة هي الرضا بقضاء الله، والتسليم لحكمه، ثم الدعاء للمحسود بالبركة بدل تمني زوالها، ثم يُكثر العبد من ذكر الله والاستغفار، فذكر الله يُطفئ نار الغيرة، ويورث الطمأنينة.
فدواء الحسد في كلمة واحدة: الرضا؛ فمن رضي بما قسم الله له، امتلأ قلبه نورًا بدل نار.
