تقرير بقلم د.نادي شلقامي
تُعدّ الإدارة الحازمة والواعية والمهمة.. الركيزة الأساسية لنجاح واستدامة أي منشأة، فهي تمثل النظام المناعي الذي يحمي الهيكل التنظيمي من الترهل والتقاعس. ففي غيابها، يصبح التخبط والفوضى واقعًا مُحتمًا يُهدد الإنتاجية والروح المعنوية. لا تعني الحزم القسوة، بل تعني القدرة على اتخاذ القرارات الصعبة بوضوح، وتحديد التوقعات بصرامة عادلة، والمساءلة الفورية عند الانحراف.
هذا التقرير يفصّل مقومات هذه الإدارة، ويضع خارطة طريق للتعامل مع التقاعس والفوضى، ويسلط الضوء على آثارها الإيجابية المتعددة على الأفراد والمنشأة، ويقدم أدوات عملية للمدير الراغب في اكتساب صفة الحزم.
أولاً :- مقومات الإدارة الحازمة لأي منشأة…
الحزم الإداري يقوم على مجموعة من الركائز الأساسية التي لا يمكن الاستغناء عنها:
1- وضوح التوقعات والأهداف:
يجب أن تكون الأهداف والمسؤوليات (Roles and Responsibilities) مُعلنة ومُقاسة وواضحة للجميع.. المدير الحازم لا يفترض الفهم، بل يؤكد عليه.
2- النظم والسياسات الموثقة:
وجود أدلة إجراءات مكتوبة وغير قابلة للتأويل تحدد قواعد العمل، ساعات الدوام، معايير الأداء، وإجراءات الجزاءات والمكافآت.
3- المتابعة والمساءلة المستمرة:
عدم ترك الأمور للصدفة. المتابعة الدورية للأداء (وليست المتابعة الميكروية) والمساءلة العادلة والفورية عند وجود تقصير.
4- اتخاذ القرارات الصعبة:
القدرة على اتخاذ قرار حاسم في الوقت المناسب، حتى لو كان غير شعبوي، مثل إنهاء خدمات موظف مقصر أو إيقاف مشروع فاشل.
5- الإنصاف والعدالة:
تطبيق القواعد على الجميع دون استثناء أو محاباة (Consistency). هذا هو جوهر القبول التنظيمي للحزم.
ثانيًا : ماذا تفعل لو وجدت أي تقاعس أو فوضى؟
عند ملاحظة أي خلل أو انحراف، يجب على المدير الحازم اتباع منهجية واضحة وممنهجة:
1- التشخيص الفوري والموضوعي:
تحديد السبب الجذري للتقاعس. هل هو نقص في المهارات (تدريب)، عبء عمل زائد (تنظيم)، أم إهمال متعمد (مساءلة)؟
2- المواجهة الفردية والخاصة:
لا تترك التقاعس يتفاقم. عقد اجتماع خاص ومباشر مع الموظف لتحديد المشكلة وتوضيح توقعات الأداء المستقبلية.
3- خطة العمل التصحيحية (PIP) :
وضع خطة زمنية محددة ومقيسة (Performance Improvement Plan) لتصحيح الأداء، تشمل التدريب والإرشاد والمتابعة المكثفة.
4- التطبيق الحاسم للسياسات :
إذا فشلت كل محاولات التصحيح، يجب تطبيق الجزاءات المنصوص عليها في سياسات الشركة دون تردد، فترك المقصر يُفسد بيئة العمل كلها.
ثالثاً: الأثر الإيجابي للقيادة الحازمة على الأفراد والمنشأة
تُحدث القيادة الحازمة تحولاً جذريًا وإيجابيًا على مختلف الأصعدة داخل المنشأة:
1- تعزيز الثقة والأمان النفسي والوظيفي:
أ- على الأفراد: يشعر الموظف الكفء والمجتهد بالعدالة والتقدير عندما يرى أن قواعد العمل تُطبق على الجميع دون محاباة، مما يخلق بيئة آمنة نفسيًا وخالية من التوتر الناتج عن الغموض أو المحسوبية.
ب- على المنشأة: يؤدي الشعور بالعدالة إلى بناء ولاء مؤسسي عميق لدى الموظفين الملتزمين، فهم يثقون في أن جهدهم لن يضيع بسبب تساهل الإدارة مع المقصرين.
2- رفع مستوى الإنتاجية والكفاءة الاقتصادية:
أ- على الأفراد: يركز الموظفون على إنجاز المهام المطلوبة وفق المعايير المحددة (KPIs)، بدلاً من إضاعة الوقت في مناورات أو محاولات للتهرب من المساءلة، مما يزيد من إنتاجيتهم الفردية.
ب- على المنشأة: تتحسن الربحية بشكل مباشر، حيث تقل الأخطاء التشغيلية والهدر في الموارد، وتُسلَّم المشاريع في المواعيد والميزانيات المحددة بسبب الإشراف الدقيق والمساءلة الفورية.
3- بناء ثقافة احترافية قوية:
أ- على الأفراد: تُشجَّع ثقافة الجدارة والاستحقاق، حيث يُكافأ الأداء المتميز ويُصحَّح الأداء الضعيف بفاعلية. هذا يحفز الجميع على الارتقاء بمستواهم.
ب- على المنشأة: يتم تأسيس ثقافة عمل احترافية قائمة على النتائج والكفاءة، وليست على العلاقات الشخصية، مما يسهل عملية التوظيف والتدريب والارتقاء التنظيمي.
4- الحد من الصراعات والخلافات الاجتماعية:
أ- على الأفراد: يقل الاحتكاك والصراع بين الزملاء لأن القواعد واضحة وتُطبق بصرامة. لا توجد حاجة لأن “يغطي” موظف على تقصير زميله، فالإدارة هي المسؤولة عن ذلك.
ب- على المنشأة: يُوفر وضوح الحدود والمسؤوليات وقت الإدارة الذي كان يُهدر في حل النزاعات الشخصية والاجتماعية الناتجة عن تداخل الأدوار أو التهرب من المهام.
رابعا….كيفية تعزيز الحزم الإيجابي في الإدارة
1. الوضوح ووضع التوقعات (Setting Clear Expectations)
أ- تحديد معايير الأداء: صياغة سياسات وقواعد عمل واضحة ومكتوبة بخصوص الحضور، جودة العمل، والسلوك المهني.
ب- توضيح العواقب: يجب أن يعرف الموظفون مسبقاً النتائج المترتبة على الالتزام والنتائج المترتبة على عدم الالتزام (نظام المكافأة والعقوبة).
2. الاتساق والمتابعة (Consistency and Follow-Through)
أ- تطبيق القواعد على الجميع: يجب تطبيق القواعد والمعايير بشكل متساوٍ وعادل على جميع الموظفين، بمن فيهم المدراء أنفسهم، دون محاباة.
ب- سرعة الاستجابة: يجب التدخل السريع لمعالجة أي سلوك غير منضبط أو انحراف عن المعايير، بدلاً من تأجيل المشكلة.
ج- التوثيق: توثيق الأداء الجيد والسيئ على حد سواء، لضمان أن القرارات المستندة إلى الحزم تقوم على حقائق موثقة.
3. الحزم في التعامل مع الأفراد (Handling Individuals)
أ- التركيز على السلوك وليس الشخص: عند معالجة مشكلة، يجب أن يكون النقد موجهاً للسلوك أو الأداء غير المقبول، وليس للموظف كشخص.
ب- المناقشة والتوجيه أولاً: البدء بمحادثات فردية للتوجيه والتصحيح (Coaching) ومحاولة فهم سبب المشكلة، قبل اللجوء للعقوبات الرسمية.
ج- الحزم مع التعاطف: أن تكون حازماً في طلب الالتزام، وفي الوقت نفسه تظهر التعاطف مع أي ظروف شخصية قد تؤثر على الأداء (مع وضع حدود واضحة).
4. دعم بيئة المساءلة (Fostering Accountability)
أ- تمكين المدراء: تزويد المدراء الأدنى بالسلطة والدعم اللازمين لتطبيق القواعد بحزم دون خوف من التراجع عن قراراتهم.
ب- نموذج القدوة: يجب أن يمثل القادة والإدارة العليا القدوة في الالتزام والانضباط ليصبح الحزم ثقافة راسخة.
ج- التقييم الدوري: استخدام أنظمة تقييم أداء منتظمة وموضوعية كأداة للقياس وتطبيق الحزم بشكل عادل.
خامسا : الآثار السلبية المترتبة علي القيادة الغير حازمة علي الفرد وعلي الكيان ذاته..
يُقصد بالقيادة غير الحازمة (أو القيادة المتساهلة/المتجنبة) الأسلوب الذي يفتقر إلى اتخاذ القرارات الواضحة، تحديد التوقعات، التدخل لحل المشكلات، أو تقديم الملاحظات البناءة والإشراف الفعّال. وهذا النمط القيادي له آثار سلبية عميقة ومفصلة على كل من الفرد والمنظمة:
أولا… الآثار السلبية على الفرد (الموظف)
تؤدي القيادة غير الحازمة إلى غياب الهيكل والدعم، مما يضغط على الموظف ويقلل من دافعيته.
1- الغموض في الدور وتضارب المهام (Role Ambiguity & Conflict):
— التفصيل الدقيق: يفتقر القائد غير الحازم إلى تحديد الأهداف والمسؤوليات والنتائج المتوقعة بوضوح. يشعر الموظف بالضياع، ولا يعرف بالضبط ما هي أولوياته أو كيف سيتم تقييم أدائه، مما يؤدي إلى بذل الجهد في الاتجاه الخاطئ أو تضارب في فهم المهام.
2- الإرهاق النفسي والوظيفي (Burnout):
— التفصيل الدقيق: عدم تدخل القائد في الأوقات الحاسمة أو تأجيله لاتخاذ القرارات يخلق بيئة عمل يسودها الفوضى والضغط المزمن. يتعرض الموظف لـعبء دوري (Role Overload) لأنه يضطر لتحمل مسؤوليات وسلطات ليست ضمن نطاقه (لحل الفراغ القيادي)، مما يؤدي إلى الإجهاد وفقدان الدافع للعمل.
3- انخفاض الرضا والولاء الوظيفي:
— التفصيل الدقيق: عندما لا يتم مكافأة الأداء الجيد أو معاقبة الأداء الضعيف، يشعر الموظفون المجتهدون بـعدم العدالة والإحباط. غياب التقدير يوصل رسالة بأن جهودهم غير مهمة، مما يقلل من ولائهم ورغبتهم في البقاء أو الاستمرار في التميز.
4- ضعف النمو وتوقف التطور:
— التفصيل الدقيق: القائد المتساهل لا يقدم ملاحظات (Feedback) أو توجيهاً نشطاً للتطوير. يفشل الموظف في معرفة أخطائه أو مجالات تحسينه، مما يعيق نموه المهني ويجعل فرص اكتساب المهارات الجديدة محدودة.
ثانيا… الآثار السلبية على كيان المؤسسة
تضرب القيادة غير الحازمة البنية التنظيمية الأساسية للمؤسسة وتضعف قدرتها على التنافس والنمو.
1- شلل اتخاذ القرار وتأخر الإجراءات:
— التفصيل الدقيق: يميل القائد غير الحازم إلى تجنب المواجهة وتأجيل القرارات الهامة، خاصة تلك المتعلقة بتخصيص الموارد أو حل النزاعات. هذا التأخير يعيق سير العمليات، ويؤدي إلى ضياع فرص السوق، ويفقد المنظمة ميزتها التنافسية في بيئة العمل المتغيرة.
2- تدهور ثقافة العمل وانتشار التنمر/الصراعات:
— التفصيل الدقيق: عندما يغيب القائد عن الساحة، ينشأ فراغ سلطة. يجد الأفراد السلبيون أو أصحاب السلوكيات المدمرة (كالتنمر) مساحة للعمل دون رادع، حيث يتجنب القائد التدخل أو محاسبة المخالفين، مما يؤدي إلى تدهور العلاقات وزيادة الصراعات الداخلية وضعف بيئة العمل بشكل عام.
3- تراجع الإنتاجية الإجمالية وفقدان الكفاءات:
— التفصيل الدقيق: غياب المساءلة الواضحة وقلة الحافز يدفعان الموظفين إلى اللامبالاة وأداء المهام بأقل جهد ممكن. هذا يؤدي إلى انخفاض في جودة المخرجات وتراجع في الإنتاجية الكلية. كما أن البيئة السلبية الناتجة تدفع الموظفين المتميزين إلى البحث عن فرص عمل في مؤسسات أكثر تنظيماً وحزماً، مما يرفع معدل دوران الموظفين وتكاليف التوظيف.
4- ضعف قدرة المنظمة على التكيف والإبداع:
— التفصيل الدقيق: تفتقر القيادة غير الحازمة إلى الرؤية الاستراتيجية القوية أو القدرة على إدارة التغيير. ونتيجة لذلك، تصبح المنظمة غير قادرة على التكيف بفعالية مع التحديات البيئية الجديدة أو تبني الابتكارات، مما يعرضها للركود وفقدان حصتها السوقية.
إن الإدارة الحازمة ليست خيارًا رفاهيًا بل هي ضرورة حتمية لضمان النمو والاستقرار. هي بناء جسور من الثقة بين الإدارة والموظفين الملتزمين، عبر تطبيق العدالة والإنصاف. المدير الحازم هو في حقيقته مدير مُنظِّم؛ ينظّم التوقعات، ينظّم الأداء، وينظّم بيئة العمل ليُفسح المجال أمام الكفاءة والاحترافية. وبتبني هذه المقومات وتطبيق الأدوات المذكورة، تتحول المنشأة من بيئة يغلب عليها التخبط إلى منظومة عمل قوية، منتجة، ومستعدة لتحديات المستقبل.
