بقلم: الرسامة. جيهان بشير ابوكبدة
في بداية القرن العشرين، وعلى شوارع اليابان المزدحمة بمصابيح النيون المتلألئة ليلاً، كان هناك مجموعة من الفنانين يحملون حلمًا صغيرًا: أن يجعلوا الرسومات تتحرك. لم تكن لديهم أدوات متطورة، وكانوا يرسمون مباشرة على شريط الفيلم، يحاولون إيقاظ الصور من سباتها. لم يعرف هؤلاء الفنانون أن ما يفعلونه سيكون شرارة تضيء العالم يومًا ما. لكن الحرب جاءت، وغمرت اليابان بالدخان والدمار. تحول الفن إلى أداة للدعاية، وتوقف الحلم لبرهة، لكنه لم يمت.
نهضة بعد الحرب
عام 1948، وبعد أن وضعت الحرب أوزارها، نهضت اليابان مرة أخرى. في استوديوهات صغيرة وُلدت أولى شركات الرسوم المتحركة اليابانية. كانت الرسومات بسيطة، متأثرة بسحر ديزني، لكن كل خط كان ينبض بالحياة.
واحدة من أولى المحاولات كانت مغامرة نينجا صغيرة باسم ساروتوبي ساسكي، فيلم لم يحقق صدى عالميًا، لكنه كان بداية طريق طويل لم يكن أحد يتخيل نهايته.
الأنمي يعبر المحيط
مع ظهور التلفزيون، بدأت القصص تتدفق إلى البيوت اليابانية، لتصبح جزءًا من يوميات الناس. ثم حدثت المفاجأة الكبرى: أسترو بوي يعبر المحيط ليصل إلى أمريكا في عام 1963، مظهراً أن الأنمي قادر على كسر الحدود الثقافية. بعده جاء سبيد ريسر، معلنًا عن ولادة جمهور عالمي للأنمي.
سبعينيات التغيير: الروبوتات والأساطير
في السبعينيات، امتلأت اليابان بالخيال، ووجد المبدعون في التلفزيون متنفسًا لأفكارهم الكبيرة. وُلدت أساطير مازنجر زد، بوارج الفضاء في ياماتو، وجاندام، لتخلق نوعًا جديدًا من الحكايات التي تتجاوز حدود الواقع.
حتى في أرجاء العالم، أصبح الأطفال يشاهدون قصصهم من أوروبا إلى الشرق الأوسط، ويعيشون المغامرات عبر الشاشة، بينما في اليابان وُلدت أيضًا فكرة استوديو جيبلي، الذي سيصنع قصصًا تتجاوز مجرد الحركة لتصبح حكايات خالدة.
الثمانينيات: عصر الفيديو والـ OAV
مع انتشار الفيديو المنزلي، أصبح بإمكان المشاهدين إعادة مشاهدة أعمالهم المفضلة، ومشاركة الشرائط، وتأسيس مجموعات أوتاكو صغيرة.
في هذه الفترة، وُلد نوع جديد من الإنتاج: OAV، أعمال قصيرة وجريئة، مخصصة لمن يبحث عن التجربة والاختلاف، مثل أكيرا، التي رغم عدم نجاحها الفوري، كانت بوابة لعصر جديد من التجريب الفني.
تسعينيات الزلزال: إيفانجيليون
عام 1995، ظهر مسلسل نيون جينيسيس إيفانجيليون، الذي قلب موازين الصناعة.
مسلسل يعقد الحكاية بعمق فلسفي، ويطرح أسئلة وجودية عن الإنسان والقدر. لم يغيّر فقط شكل الأنمي، بل غيّر الطريقة التي تُصنع بها القصص، وأصبح مرجعًا للمخرجين والكتّاب في كل العالم.
مع انتشار الإنترنت، بدأت ثقافة الأنمي تصل إلى الجميع بسرعة غير مسبوقة. الـ DVD ساعد على وصول الأعمال اليابانية إلى خارج حدود البلاد، وظهرت ظواهر عالمية مثل بوكيمون، دراغون بول، وسيلور مون، التي لم تعد مجرد مسلسلات، بل ثقافة شبابية متكاملة.
القرن الحادي والعشرين: التجدد من رحم التحدي
واجه الأنمي تحديات كبيرة: أزمات اقتصادية، تدني أجور المبدعين، القرصنة، وإفلاس شركات، ما جعل البعض يشكك في مستقبله.
لكن هذه التحديات ولدت قصصًا جديدة، مثل ديث نوت وفل ميتال ألكيميست، التي أعادت الشغف القديم وأكدت قدرة الأنمي على التجدد والتأقلم مع كل عصر.
اليوم: الأنمي لغة لا تعرف الحدود
الأنمي اليوم تجاوز كونه فنًا محليًا؛ أصبح ظاهرة عالمية متكاملة: مؤتمرات، بث مباشر عبر الإنترنت، مجموعات متخصصة في كل القارات، وعشاق من كل الأعمار.
القصص تستمر في التطور والنمو، والأنمي، مثل اليابان نفسها، ينهض، يتجدد، ويصنع من الخيال واقعًا يعيش فيه الملايين.

… يتابع
